يغالب لبنان الرسمي والسياسي حالة “الانتظار الثقيل” التي تفرضها التعقيدات الميدانية والاقتصادية، محاولاً اختراق جدار الجمود بجرعات تنشيطية للملفات الدستورية. وبينما كانت التكهنات تميل نحو تأجيل الاستحقاق النيابي، أعاد رئيس مجلس النواب نبيه بري خلط الأوراق بافتتاح سجل الترشيحات شخصياً، بالتزامن مع حراك ديبلوماسي واسع شهده “بيت الوسط” بمناسبة ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري، وسط ضغوط أميركية ودولية حازمة لفرض “هيكلة مالية شاملة” كمدخل وحيد لاستعادة الثقة المفقودة.
بري والانتخابات: رسائل “الترشيح الأول” وخطوط الذهب الحمراء
في خطوة حملت أبعاداً سياسية تتجاوز الإجراء الإداري، بادر الرئيس نبيه بري إلى تقديم أوراق ترشحه عن المقعد الشيعي في دائرة صيدا، ليكون “المرشح رقم واحد” في سجلات وزارة الداخلية. هذه الخطوة أراد منها بري قطع الطريق على “بورصة الشائعات” التي روجت لتأجيل الانتخابات المقررة في أيار المقبل، مؤكداً أن تعطيل الاستحقاق الدستوري هو تعطيل لانطلاقة العهد الجديد.
ولم يغفل بري الملف المالي، إذ حدد شهر آذار موعداً لمحاولة إنجاز “قانون الفجوة المالية”، معلناً معادلة قوامها: “نعم لضمان حقوق المودعين، ولا مطلقة لمس الذهب”. وحذر بري من تسييل احتياطات الذهب، معتبراً أن لبنان يمتلك بدائل استثمارية تغنيه عن بيع أصوله السيادية.
“بيت الوسط” محجّاً للدبلوماسية.. والحريري يستعيد وهج الدور
عشية الذكرى الحادية والعشرين لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، تحول “بيت الوسط” إلى مركز ثقل ديبلوماسي، حيث استقبل الرئيس سعد الحريري الذي وصل امس الى بيروت، سفراء الولايات المتحدة، فرنسا، روسيا، وإسبانيا، بالإضافة إلى المنسقة الأممية. اللقاءات تجاوزت الطابع البروتوكولي لتناقش “الشرعية الدستورية” للبنان عبر بوابة الانتخابات. وفي السياق ذاته، استذكر رئيس الجمهورية جوزاف عون الشهيد الكبير بوصفه “رجل الدولة والمؤسسات”، معتبراً أن الوفاء له يكون ببناء دولة قوية عادلة تضع مصلحة لبنان فوق كل اعتبار.
نواف سلام في ميونيخ: “لاءات” لبنانية وتعهدات كويتية
دبلوماسياً أيضاً، برز حضور رئيس الحكومة نواف سلام في مؤتمر ميونخ للأمن، حيث أطلق مواقف حازمة تجاه العمق العربي، مؤكداً أن بيروت لن تسمح باستخدام أراضيها لاستهداف الأشقاء العرب، في رد مباشر على هواجس يمنية رسمية. وقد توجت لقاءاته بلقاء كويتي رفيع أكد فيه الشيخ أحمد عبد الله الأحمد الصباح وقوف الكويت إلى جانب لبنان وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، معلناً مشاركة بلاده في مؤتمر باريس لدعم الجيش اللبناني.
الضغط الأميركي: هيكلة مالية أو عزلة مستمرة
اقتصادياً، رسمت السفارة الأميركية في بيروت خارطة طريق واضحة؛ حيث ربط السفير ميشال عيسى بين “الهيكلة المالية الشاملة” وبين استعادة الاستثمارات العالمية. الرسالة الأميركية، التي جاءت بعد مشاورات مع صندوق النقد الدولي، أكدت أن استرداد مصداقية لبنان الدولية يمر حصراً عبر إصلاحات مالية جوهرية لا تقبل التأجيل، لاسيما في ظل تزايد الاهتمام الأميركي بجذب الشركات العالمية للعمل في لبنان فور استقرار المشهد.
الميدان الجنوبي والإنذار الإقليمي
ميدانياً، لم يهدأ التوتر على الجبهة الجنوبية مع استمرار الرشقات المدفعية والغارات المسيرة الإسرائيلية على بلدات بيت ليف وعيتا الشعب، وسط اتهامات إسرائيلية لحزب الله بخرق التفاهمات عبر إعادة بناء بنى تحتية عسكرية.
إقليمياً، بدا أن المنطقة تتجه نحو تصعيد من نوع آخر، مع صدور أوامر لحاملة الطائرات الأميركية “يو إس إس جيرالد آر. فورد” بالتوجه إلى الشرق الأوسط لتنضم إلى “أبراهام لنكولن”، في خطوة استعراضية للقوة تتزامن مع المهلة التي منحها الرئيس ترامب لطهران للتوصل إلى اتفاق نووي جديد، مما يضع لبنان في قلب العاصفة الإقليمية المفتوحة على كافة الاحتمالات.

