زيارة رئيس الحكومة إلى الجنوب: استعادة «الوطن الضائع» وإعلان نهاية زمن «الساحات»

نواف سلام
إن صمود الجنوبيين في أرضهم يحتاج اليوم إلى رافعة حقيقية، وهذه الرافعة لا يملكها سوى مشروع الدولة القوي والجامع. زيارة نواف سلام لم تكن مجرد جولة تفقدية، بل كانت "خارطة طريق" لمستقبل لبنان؛ مستقبل لا مكان فيه للسلاح غير الشرعي، ولا للمغامرات غير المحسوبة.

لم تكن جولة رئيس الحكومة نواف سلام في قرى الجنوب اللبناني، من صور والناقورة صعوداً نحو بنت جبيل وعيترون، وصولاً إلى حاصبيا ومرجعيون، مجرد زيارة بروتوكولية لتفقد الركام، بل كانت في جوهرها إعلاناً سياسياً مدوياً عن طي صفحة “الاستثناء” والعودة إلى “القاعدة”. هي زيارة “العودة إلى الدولة” التي انتظرها الجنوبيون طويلاً، بعدما أرهقتهم سياسات “الإسناد” ورهنت مصيرهم لمشاريع عابرة للحدود، انتهت بهم إلى رماد الحروب وتشريد العائلات.

حفاوة الاستقبال: استفتاء شعبي على خيار الدولة

في الشكل، حملت المشاهد القادمة من الجنوب دلالات لا تخطئها العين. نثر الورود والأرز والزغاريد التي استقبلت سلام لم تكن ترحيباً بشخصه فحسب، بل كانت عطشاً جنوبياً صادقاً لمؤسسات الدولة التي غُيبت قسراً لسنوات.

تلك الهتافات التي صدحت باسم “الشرعية” كانت بمثابة استفتاء شعبي عفوي، يؤكد أن أهل الجنوب، الذين دفعوا الثمن الأكبر في الأرواح والممتلكات، باتوا يدركون اليوم أكثر من أي وقت مضى أن “الدولة” هي الملاذ الآمن الوحيد، وأن كل الشعارات التي رُفعت خارج إطارها لم تجلب سوى الدمار والفقر والنزوح.

انتهاء عصر “الإسناد” والمغامرات المكلفة

تأتي أهمية هذه الزيارة في توقيت مفصلي، حيث يلملم لبنان جراحه بعد حرب مدمّرة كانت نتيجة حتمية لقرار “انفراد” فئة بسلب قرار الحرب والسلم من يد السلطة الرسمية.

لقد أثبتت الحرب الأخيرة أن نظرية “جبهات الإسناد” لم تكن سوى توريط عبثي للجنوب ولبنان في صراعات إقليمية لا تخدم المصلحة الوطنية العليا.

إقرأ أيضا: علي الأمين: النظام الإيراني في أضعف حالاته والحزب يحمي سلاحه بالشعب اللبناني

زيارة سلام هي نعي رسمي لمرحلة “الدويلة داخل الدولة”. فالدولة التي حضرت بوزرائها وخططها الإنمائية، جاءت لتقول إن “خيار الدولة” ليس ترفاً، بل هو حاجة وجودية. إن زمن السلاح الخارج عن الشرعية، الذي استعمل الجنوب “ساحة” لتوجيه الرسائل الإقليمية، قد اصطدم بجدار الواقع المسدود. فالحماية الحقيقية لا توفرها المجموعات المسلحة التي تجلب الحروب بقرارات آحادية، بل يوفرها الجيش اللبناني المنتشر على الحدود، وتحميها الدبلوماسية الرسمية، ويحصنها التكاتف الوطني خلف مؤسسات الشرعية.

المشاريع التي أعلن عنها سلام، من دعم زراعة التبغ في عيترون إلى ترميم البنى التحتية في بنت جبيل، هي حجر الزاوية في مسيرة التعافي. الدولة اليوم تمد يدها للإعمار، لا للهدم، وللبناء لا لاستدراج القذائف

الدولة: أمن وإنماء لا ينفصلان

كان رئيس الحكومة واضحاً في خطابه: “بسط سلطة الدولة لا يقتصر على البزة العسكرية”. هنا تكمن العقدة والحل، فالجنوب يحتاج إلى الأمان الذي يوفره الجيش، بقدر حاجته إلى الكهرباء، والمياه، والمدارس، والاتصالات التي توفرها الوزارات.

لقد أراد سلام طمأنة الجنوبيين بأنهم يتساوون في الحقوق والواجبات مع باقي اللبنانيين، لينهي بذلك عقوداً من محاولات تصوير الدولة كعاجزة أو غير مهتمة، وهي صورة كان يستفيد منها أصحاب مشاريع السلاح لتكريس دويلتهم.

لقد اختار الجنوب، بصوت عالٍ، خيار الدولة والشرعية والعيش الكريم تحت كنف الدستور، وهي الفرصة الأخيرة لإنقاذ ما تبقى، وإعادة بناء لبنان على أسس السيادة الحقيقية والمواطنة الصالحة

المشاريع التي أعلن عنها سلام، من دعم زراعة التبغ في عيترون إلى ترميم البنى التحتية في بنت جبيل، هي حجر الزاوية في مسيرة التعافي. الدولة اليوم تمد يدها للإعمار، لا للهدم، وللبناء لا لاستدراج القذائف. هي شريكة المواطن في ثباته بأرضه بعزّة وكرامة، بعيداً عن منطق “الإغاثة المسيسة” أو “المال النظيف” المشروط بالولاء السياسي.

الرسالة الإقليمية والمحلية: الجنوب إلى “حضنه الطبيعي”

من منظور سياسي، تعتبر هذه الجولة محطة مفصلية تنهي سنوات من “التباعد القسري” بين الجنوب ومركز القرار في بيروت.

هي رسالة للعالم بأن لبنان استعاد سيادته على كامل أراضيه، وأن عصر “الاستثناء” الأمني قد انتهى. إن بسط سيطرة القوى الشرعية يجب أن يكون مصدر طمأنينة للأهالي، فالقانون هو الضامن الوحيد للاستقرار، والجيش هو السياج الذي لا يفرق بين منطقة وأخرى.

إقرأ أيضا: حزب الله يؤكد موافقة أحمد الحريري على اللقاء بينهما.. والأخير يردّ

إن الدولة اللبنانية، بزيارة رئيس حكومتها وتعهداته الإنمائية، تؤكد أنها وحدها المسؤولة عن أمن شعبها وسلامة حدودهم، وأن أي محاولة للعودة إلى الوراء، نحو منطق “الميليشيات” و”وحدة الساحات”، هي انتحار سياسي واجتماعي لن يسمح به اللبنانيون مجدداً.

الخاتمة: لا بديل عن الشرعية

إن صمود الجنوبيين في أرضهم يحتاج اليوم إلى رافعة حقيقية، وهذه الرافعة لا يملكها سوى مشروع الدولة القوي والجامع. زيارة نواف سلام لم تكن مجرد جولة تفقدية، بل كانت “خارطة طريق” لمستقبل لبنان؛ مستقبل لا مكان فيه للسلاح غير الشرعي، ولا للمغامرات غير المحسوبة.

لقد اختار الجنوب، بصوت عالٍ، خيار الدولة والشرعية والعيش الكريم تحت كنف الدستور، وهي الفرصة الأخيرة لإنقاذ ما تبقى، وإعادة بناء لبنان على أسس السيادة الحقيقية والمواطنة الصالحة.

السابق
«زلزال» الهيكلية في «الحزب»: نعيم قاسم يقود انقلاباً سياسياً وإدارياً يطيح بـ «جنرالات» التنسيق
التالي
المحادثات مع أميركا خطوة إلى الأمام.. يزشكيان: الحوار استراتيجية لا تخضع للتهديد