نعيم قاسم يلمّع درّة التاج.. من مهسا أميني إلى سجون الحرية الإلهية

نعيم قاسم

عندما قرر الشيخ نعيم قاسم أن يُحدّثنا قليلًا خارج نشرة الأخبار، اكتشف فجأة أن إيران ليست دولة، بل تحفة فنية، «درّة التاج في العالم»، ومنارة الحرية والاستقامة والأخلاق، وقادرة على هزيمة أميركا و«إسرائيل»، لأن الله – على ما يبدو – وقّع عقد شراكة حصرية مع النظام الإيراني وفروعه.

كلام يبعث على الاطمئنان، خصوصًا إذا قيل من خلف ميكروفون، بوجه مطمئن ونبرة وعظية دافئة، بعيدًا عن صراخ السجون، ورائحة الزنازين، وجثث النساء اللواتي لم يفهمن بعد قواعد الجنة الرسمية.

كلام جميل، مريح، يصلح كاقتباس مُذهّب على جدار… لولا أن هذا الضوء كان قويًا إلى درجة أنه أطفأ مهسا أميني.

مهسا أميني: الضوء الذي انطفأ

مهسا، الفتاة الإيرانية التي ماتت لأن خصلة شعرها قررت أن تتنفس هواءً غير مرخّص من شرطة الأخلاق.

في إيران، الحرية ليست فكرة، بل مخالفة، تبدأ بتحذير، تمرّ بصفعة، وتنتهي بتقرير طب شرعي أنيق يشرح كيف توفيت الضحية «بشكل طبيعي» بعد اصطدام رأسها المتكرر بجدار النظام.

يبدو أن الحرية في «درّة التاج» دقيقة جدًا: تُقاس بالسنتيمتر، تُراقَب بالعصا، وتُختم بعبارة «ماتت فجأة» من شدّة الحياة.

ومع ذلك، يؤكد الشيخ نعيم أن إيران قادرة على هزيمة أميركا و«إسرائيل»، لأن «من كان مع الله لا يمكن إلا أن ينتصر».

سؤال بسيط، ساذج، لكنه ضروري: هل كانت مهسا أميني ضد الله؟ أم أن الله، في النسخة الإيرانية، يعمل حصريًا مع الهراوات، والزنازين، وكاميرات المراقبة عالية الدقة؟

في إيران، الحرية ليست فكرة، بل مخالفة، تبدأ بتحذير، تمرّ بصفعة، وتنتهي بتقرير طب شرعي أنيق يشرح كيف توفيت الضحية «بشكل طبيعي» بعد اصطدام رأسها المتكرر بجدار النظام.

انتصارات على النساء والشعر

الانتصار هنا ليس على أميركا، ولا على «إسرائيل». الانتصار الحقيقي تحقّق على النساء، والطلاب، والصحافيين، والأقليات، وحتى على الشعر… نعم، الشعر نفسه، ذلك العدو الأيديولوجي الخطير الذي يهدد الأمن القومي كلما خرج عن النص.

يتحدث نعيم قاسم عن «ضوء عظيم للحرية». صحيح، إيران أضاءت… أضاءت سجن إيفين، وأضاءت غرف التحقيق، وأضاءت مشانق الساحات، ثم أطفأت الإنترنت كي لا نرى هذا الضوء ونُصاب بالغيرة.

حرية مذهلة فعلًا، لا تُرى إلا إذا أُغلقت الكاميرات، ولا تُسمع إلا إذا كُتمت الأصوات، ولا تُصدَّق إلا إذا كُتبت في الخطب.

الاحتجاجات الأخيرة التي ملأت شوارع إيران ليست، حسب الرواية الرسمية، سوى سوء فهم جماعي من شعب لم يدرك بعد عظمة القمع الذي يُمارس من أجله؛ فالنور هنا يُعمي قبل أن يهدي، ويُستخدم للضرب لا للإضاءة، ولإسكات الأسئلة لا للإجابة عنها.

التربية على الطاعة

وعندما ينتقل الخطاب إلى «التربية والتعليم» تكتمل الصورة بلا الحاجة إلى تفسير. فالتعليم هنا ليس لتعليم السؤال، بل لتعليم الجواب الواحد.

ليس لتعليم التفكير، بل لتعليم الامتثال. ليس لتخريج أحرار، بل لتخريج مطيعين يؤمنون أن السجن قدر، والموت بطولة، والصمت حكمة، والخضوع فضيلة وطنية.

الأخلاق، كما يشرحها هذا النموذج، لا علاقة لها بالعدالة أو الكرامة أو الحياة. الأخلاق هنا هي الطاعة، والانضباط، والقدرة على تحمّل الإهانة دون إزعاج السلطة.

من يعترض فاسد، من يسأل مشبوه، من يحتج عميل، ومن يُقتل شهيد… لكن ليس شهيد الحرية، بل شهيد النظام الذي قتله.

الاحتجاجات الأخيرة التي ملأت شوارع إيران ليست، حسب الرواية الرسمية، سوى سوء فهم جماعي من شعب لم يدرك بعد عظمة القمع الذي يُمارس من أجله

تصدير النموذج… من طهران إلى بيروت

وحين يشعر هذا النموذج بالضيق داخل حدوده، يقرّر التصدير.

في لبنان، يصلنا «الضوء الإيراني» بنسخة حزب الله: نفس اللغة، نفس القداسة، نفس الحساسية من الأسئلة.

سلاح خارج الدولة، قرار خارج الدولة، دولة خارج الخدمة، وشعب يُطلب منه أن يحمد الله على نعمة الانهيار المقاوم.

كما في طهران، الحقيقة واحدة، والاختلاف فقط في اللهجة: هنا يُقال لك اصمت لأننا نقاوم، وهناك يُقال لك اصمت لأننا نربي.

نعيم قاسم لا يمدح إيران، بل يقدّم كتالوجًا رسميًا للاستبداد المغلّف بالدين، وإعلانًا عن مدرسة سياسية كاملة؛ مدرسة تخاف الضحك، وتكره الأسئلة، وترى في الإنسان مشروع مشكلة.

مدرسة تبدأ بالحجاب الإجباري، تمرّ بالسجن الوقائي، وتنتهي بتعليق الجثث على أعمدة الأخلاق، وتفترض أن الله مشغول بتبرير القمع، لا بحماية البشر.

والخاتمة بسيطة، موجعة، ومضحكة في آن: إذا كانت إيران «درّة التاج»، فالسجون هي علبتها المخملية، والهراوات هي بريقها، ونعيم قاسم هو موظف العلاقات العامة فيها.

أما مهسا أميني، فليست استثناءً ولا حادثًا…هي الاسم الحقيقي لهذا التاج، المكتوب بالعظام.

السابق
من دبي.. سلام يبحث مع صندوق النقد العربي تعزيز الدعم للبنان!
التالي
مسيّرتان فوق اليونيفيل في كفركلا… وانفجار على بُعد أمتار