عاد ملف “حصر السلاح” إلى صدارة المشهد اللبناني، لكن هذه المرة من زاوية أكثر حدّة ووضوحًا. فبين تأكيد رئاسي وحكومي على المضي فيه «من دون رجوع»، وتصعيد كلامي غير مسبوق من أمين عام «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم ضد وزراء في الحكومة، يتكشف مشهد سياسي ينذر بمواجهة سياسية مفتوحة حول طبيعة القرار في لبنان وحدود السيادة.
لا رجوع عن حصرية السلاح
رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون حسم الموقف بوضوح، مؤكدًا أمام وفد «الجبهة السيادية» أن تطبيق حصرية السلاح وبسط سلطة القانون «أمران لا رجوع عنهما مهما كانت الاعتبارات»، ومربطًا ذلك مباشرة باستعادة ثقة الخارج ودعمه للبنان. عون شدد على التزامه بما ورد في خطاب القَسَم، وعلى إجراء الانتخابات النيابية في موعدها، معتبرًا أن أي حديث عن التأجيل لا يعنيه، ومؤكدًا الوقوف على مسافة واحدة من جميع المرشحين.
الرئيس عون ربط أيضًا بين حصر السلاح ومنع انزلاق البلاد إلى حرب جديدة، مشيرًا إلى أن الشعب اللبناني لم يعد قادرًا على تحمّل الحروب، وأن الظروف الدولية تفرض مقاربة واقعية لحماية لبنان وأهله.
سلام: السيادة مسار لا شعار
من جهته، أكد رئيس الحكومة نواف سلام، من دبي، أن السيادة ليست شعارًا سياسيًا بل مسارًا عمليًا مرتبطًا مباشرة بالأمن والاستقرار وبناء الدولة. وشدد على أن الدولة اللبنانية استعادت، للمرة الأولى منذ عام 1969، سيطرة عملانية كاملة على جنوب البلاد عبر الجيش، محذرًا من إدخال لبنان في مغامرات جديدة، بعدما كانت كلفة «حرب إسناد غزة» باهظة على اللبنانيين.
سلام دعا العرب إلى دعم لبنان لا الحلول مكانه، مؤكدًا أن استعادة قرار السلم والحرب هي المدخل الوحيد لإعادة الثقة الدولية وتشجيع الاستثمار.
شمال الليطاني… العقدة الأساسية
في السياق نفسه، أعلن نائب رئيس الحكومة طارق متري أن «حزب الله يرفض تسليم السلاح شمال الليطاني»، مؤكدًا أن الدولة ماضية في حصر السلاح في كل الأراضي اللبنانية ولن تتراجع. متري شدد على رفض تحويل لبنان ساحة لحروب الآخرين، معربًا عن الأمل بأن يتصرّف الحزب «بعقلانية» في حال تعرّضت إيران لأي ضربة عسكرية.
هذا الموقف يأتي فيما يُنتظر أن يعرض قائد الجيش العماد رودولف هيكل خطة حصر السلاح ومراحلها المقبلة على مجلس الوزراء، بعد عودته من الولايات المتحدة، حيث يجري سلسلة لقاءات في البنتاغون لطلب دعم دولي للجيش، عشية مؤتمر دعم المؤسسة العسكرية في آذار المقبل.
قاسم يهاجم… ويصطف إقليميًا
في المقابل، شنّ أمين عام «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم هجومًا مباشرًا على «بعض الوزراء في الحكومة»، متهمًا إياهم بجرّ لبنان إلى الفتنة وإغراقه في العتمة، ومعتبرًا أنهم يتصرفون «كأن الحكومة ورقة بيد حزب يعملون لديه». قاسم أكد أن الحزب «لا علاقة له» بما أُعلن حول انتهاء مرحلة جنوب الليطاني، متمسكًا بمنطق «الدفاع عن الأرض والسيادة»، ومجدّدًا معادلة «بين السلّة والذلّة نحن مع الشهادة».
الأخطر في خطاب قاسم كان إعلانه الصريح الاصطفاف إلى جانب إيران في مواجهة أي تهديد أميركي، واصفًا طهران بـ«درة التاج في العالم»، ومؤكدًا قدرتها على هزيمة الولايات المتحدة وإسرائيل، في موقف يضع لبنان عمليًا في قلب المواجهة الإقليمية، بغضّ النظر عن حسابات الدولة أو كلفة ذلك على الداخل اللبناني.
الجيش في قلب المعادلة
في موازاة ذلك، أثار النائب فؤاد مخزومي تساؤلات حول التعامل مع موازنة الجيش، محذرًا من إعطاء انطباع بأن المؤسسة العسكرية ضعيفة «لتبرير وجود ميليشيا خارج إطار الدولة». وأكد أن لا دولة موحدة من دون جيش واحد وسلطة واحدة، وسحب السلاح غير الشرعي وفق خطة واضحة وجدول زمني.
مشهد مفتوح على التصعيد
بين قرار رسمي بحصر السلاح، وتصعيد سياسي من «حزب الله» يربط لبنان بمحور طهران، يبدو المشهد اللبناني مفتوحًا على مواجهة سياسية عميقة. مواجهة لا تدور فقط حول السلاح، بل حول سؤال أكبر: من يملك القرار في لبنان، ومن يحدد موقعه في زمن التسويات الإقليمية؟

