جلسة الموازنة الثانية في المجلس النيابي اليوم، فتحت كل الملفات دفعة واحدة: الاقتصاد المنهك، السلاح والسيادة، قانون الانتخاب، والعلاقة المأزومة بين الدولة ومحاور الصراع.
موازنة بلا رؤية… ودولة «ربّ عمل فاشل»
دخل لبنان عمليًا في مناقشة موازنة 2026، مع إعلان رئيس مجلس النواب نبيه بري بدء الجلسة وإقرارها في يومها الثاني. غير أنّ النقاش النيابي كشف سريعًا أنّ المشكلة لا تكمن في الأرقام، بل في غياب الرؤية. النائب نعمة إفرام وصف الدولة بـ«ربّ العمل الفاشل»، معتبرًا أنّ أي خطة تعافٍ تبدأ باستعادة الثقة ورؤوس الأموال. وتوقّف عند مأساة المتقاعدين، في القطاعين العام والخاص، حيث يعيش معظم موظفي الدولة على رواتب لا تتجاوز 300 دولار، مطالبًا بالتعامل مع تعويضات نهاية الخدمة كما الودائع الأساسية.
السيادة شرط الاقتصاد
من جهته، رفع رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميّل السقف، رابطًا بشكل مباشر بين الموازنة والسيادة. فالموازنة، بنظره، ليست «صف أرقام»، بل أداة سياسية-اقتصادية تُبنى على هدف واضح. وسأل: كيف يمكن جذب الاستثمارات في بلد «بحالة حرب»، تعيش فيه ميليشيات مسلّحة خارج منطق الدولة؟ الجميّل شدّد على أنّ توسيع الإيرادات يمرّ حتمًا عبر ضرب الاقتصاد غير الشرعي، لكن ذلك مستحيل من دون استعادة الدولة لقرارها وسيادتها. استخدامه مصطلح «ميليشيا» أثار اعتراض كتلة الوفاء للمقاومة، ما دفع الرئيس بري إلى التدخل موضحًا أنّ المقصود ليس المقاومة.
انتخابات بين الطائف والتأجيل
الملف الانتخابي لم يكن أقل توترًا. بري فتح الباب أمام تعديل جذري، داعيًا إلى قانون جديد إذا تعذّر تطبيق الحالي، ومذكّرًا بضرورة السير بمجلس شيوخ وفق اتفاق الطائف. في المقابل، ذهب النائب أديب عبد المسيح أبعد، معلنًا صراحة أنّ الانتخابات لن تحصل في موعدها، ومقترحًا تأجيلها سنة «توقفًا عن الكذب على اللبنانيين». نائب رئيس المجلس الياس بو صعب وصف قانون الانتخاب بـ«المسخ الأعوج»، محذرًا من أزمة داهمة إذا لم يُنجز تفاهم سياسي.
العهد، السلاح، وفرصة أخيرة
في المواقف السياسية، أكد النائب زياد الحواط دعم «القوات اللبنانية» للعهد، معتبرًا أنّ هناك فرصة عربية ودولية يجب عدم تضييعها، شرط الالتزام بحصرية السلاح وإجراء الانتخابات في موعدها. أما الرئيس جوزاف عون، فربط استقلال القضاء باستقلال القاضي نفسه، داعيًا إلى «تنظيف» الجسم القضائي من داخله، وتسريع البتّ بملفات الموقوفين اللبنانيين والسوريين.
باسيل و«لا تحالف ولا خصومة»
على خط موازٍ، أعلن النائب جبران باسيل رفضه دخول «حزب الله» الحرب إلى جانب إيران. مصادر سياسية رأت في موقفه ترجمة لواقع جديد: لا تحالف ولا خصومة مع الحزب، مع بقاء الباب مواربًا أمام تحالفات انتخابية جزئية تفرضها حسابات الدوائر.
الإقليم يضغط… ولبنان الحلقة الأضعف
كل ذلك يجري فيما الإقليم يغلي. الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث عن حوار محتمل مع إيران، لكنه يلوّح في الوقت نفسه بضربة عسكرية «موجعة». تقارير غربية وخليجية تحذّر من سيناريوهات تصعيد واسعة، ما يضع لبنان، مرة جديدة، أمام اختبار قاتل: هل يكون دولة تحمي اقتصادها وسيادتها، أم ساحة تنتظر ارتدادات المواجهة الكبرى؟

