تُعدّ الانتخابات النيابية في لبنان من أبرز مظاهر الحياة الديمقراطية الشكلية في البلاد، إذ تُجرى بانتظام نسبي منذ الاستقلال. غير أنّها، في العمق، تعكس توازنات طائفية ومصالح سياسية متشابكة تجعل من التغيير الحقيقي أمرًا بالغ الصعوبة. وبين “الواقع الثابت” الذي يكرّس نظام المحاصصة، و”المرتجى” الذي يتطلّع إليه اللبنانيون لبناء دولة مدنية عادلة، تتجلّى أزمة الديمقراطية اللبنانية بأوضح صورها.
أولًا: الواقع الثابت، انتخابات تحكمها الطائفية والمحاصصة
يقوم النظام اللبناني على قانون انتخابي يوزّع المقاعد النيابية وفق الانتماء الطائفي والمناطقي، ما يجعل التصويت في معظم الأحيان قائمًا على الهوية الطائفية لا على البرامج السياسية. كما تتحكم الزعامات التقليدية والكتل الكبرى في رسم التحالفات على أسس مصلحية ضيقة، مما يحدّ من إمكانية بروز قوى سياسية إصلاحية جديدة. يُضاف إلى ذلك ضعف الرقابة وغياب الشفافية في التمويل الانتخابي، واستعمال المال والإعلام للتأثير في الناخبين، في ظلّ تراجع الثقة الشعبية وتنامي العزوف عن المشاركة، خصوصًا بين الشباب الذين يرون أن الانتخابات لا تنتج سوى الوجوه نفسها ضمن المنظومة نفسها. وهكذا تصبح الانتخابات مجرّد عملية شكلية لإعادة إنتاج السلطة لا أداةً لتجديدها.
ثانيًا: الطبقة السياسية المتراكمة والترقيع لتثبيت الزعامة المتوارثة
منذ عقود، يعيش لبنان حالة من الجمود السياسي الممأسس، حيث تكرّست طبقة حاكمة متوارثة تعيد إنتاج نفسها عبر آليات “الترقيع السياسي” بدل الإصلاح البنيوي. فالانتخابات، بدل أن تكون وسيلة لتجديد الطبقة السياسية وضخّ دماء جديدة في مؤسسات الدولة، تحوّلت إلى أداة لتدوير الوجوه نفسها ضمن بنية طائفية مغلقة. لقد أفرزت الزعامة الحزبية المتوارثة نمطًا من الحكم يقوم على الشخصنة لا المؤسّسة، وعلى الولاء للزعيم لا للوطن. فالأحزاب الكبرى لم تعد ساحات للتفاعل الديمقراطي أو لإنتاج الكفاءات، بل تحوّلت إلى إقطاعات سياسية تُدار بمنطق العائلة والطائفة والمصلحة الخاصة. وهكذا يتوارث الأبناء والأحفاد الزعامة كما يتوارثون الممتلكات، في مشهدٍ يُختزل فيه الوطن في شخص الزعيم. أما الترقيع السياسي، فهو السمة الأبرز لكل أزمة لبنانية. فعندما تصل البلاد إلى حافة الانهيار، يتم اللجوء إلى تسويات مؤقتة تحفظ توازنات القوى وتوزّع المنافع بين أطرافها، بدل مواجهة جذور الأزمة. وهكذا يُجهض أي مشروع إصلاحي حقيقي باسم “الوفاق الوطني”، فيبقى الفساد والمحاصصة ركيزتين للنظام القائم.
ثالثًا: الأحزاب اللبنانية بين غاية البقاء وفكرة الدولة الغائبة
لم تسعَ الأحزاب اللبنانية، في معظمها، إلى رفعة الدولة أو تعزيز مفهوم المواطنة، بل انحصرت غاياتها في تثبيت وجودها وتعظيم نفوذها عبر استثمار إمكانيات الدولة ومواردها. فبدل أن تكون الدولة المرجعية العليا للأحزاب، أصبحت الأحزاب هي من تتحكم في مفاصل الدولة وتستعملها وسيلةً لخدمة مصالحها الخاصة. لقد أدّى هذا المنطق إلى زعزعة فكرة الدولة نفسها، حتى باتت معلّقة بين هذا الحزب وذاك، فاقدة لهويتها الجامعة. لم تعد الدولة كيانًا فوق الجميع، بل ساحةً يتقاسمها المتنازعون باسم “التمثيل الطائفي” و”الحقوق السياسية”. وهكذا جرى تحويل الوزارات والمؤسسات العامة إلى مزارع حزبية تُدار بالعقلية الفئوية ذاتها التي تُدار بها الأحزاب، لا بمنطق الخدمة العامة. الأساس في هذه الإشكالية أن من ينتمون إلى هذه الأحزاب هم أنفسهم أركان الدولة، يجمعون بين سلطة القرار والانتماء الحزبي، ما يجعلهم غير قادرين على التصرف خارج حدود “الأنا” والأيديولوجيات الضيقة. فلا مكان في هذا الواقع للمصلحة الوطنية العليا، لأن الولاء الأول يبقى للحزب لا للمؤسسة. وبذلك أصبحت الدولة اللبنانية أسيرة التوازنات الحزبية والطائفية، عاجزة عن ممارسة دورها كحَكَمٍ بين الجميع. فحين تضعف الدولة أمام الحزب، تضعف العدالة، ويتآكل الشعور بالمواطنة، ويتحوّل الوطن إلى مساحةٍ للمساومات والمقايضات. وهكذا، ما لم تُستعد هيبة الدولة كمرجعية جامعة، وتُفصل بوضوح بين العمل الحزبي والعمل المؤسساتي، ستظلّ لبنان دولةً معلّقة بين الانتماءات المتنازعة، عاجزة عن ولادة نظام يقوم على الكفاءة والعدالة.
رابعًا: تفعيل قانون الأحزاب وبناء التحالفات على أساس البرامج
إنّ أحد أبرز مفاتيح الإصلاح في لبنان هو تفعيل قانون الأحزاب وإعادة تنظيم الحياة السياسية على أسس وطنية واضحة، بحيث لا تبقى التحالفات مجرّد صفقات ظرفية تُبنى من موقع القوة والغلبة، بل شراكات مسؤولة تقوم على برامج واقعية تسهم في تطوير الدولة ومؤسساتها. فالتحالفات السياسية لا يجب أن تُقام بهدف زيادة عدد المقاعد أو توسيع النفوذ، بل انطلاقًا من رؤية مشتركة تعالج القضايا الوطنية الكبرى: الاقتصاد، التعليم، العدالة الاجتماعية، ومحاربة الفساد. فحين يتحوّل أي حزب أو تنظيم من أداة زبائنية إلى منصّة للبرامج والسياسات العامة، تصبح المنافسة في الانتخابات تنافسًا في خدمة الوطن لا في اقتسام الغنائم.
خامسًا: معايير جدية الأحزاب والمرشحين
لتصبح الحياة السياسية اللبنانية أكثر جدية وفاعلية، يجب أن يتم اعتماد البرامج السياسية والتنموية للأحزاب والمرشحين على أسس وطنية وعلمية واقعية وأخلاقية. أي برنامج يُقدّم يجب أن يخضع لعملية تمحيص دقيقة وتدقيق شامل من قبل خبراء في الاقتصاد، الإدارة العامة، القانون، التنمية، والسياسات العامة، بحيث يتم التأكد من صلاحيته وقدرته على تطوير الدولة ومؤسساتها. وفي المقابل، أي برنامج يتعارض مع الهدف الأساسي لبناء الدولة القوية والمؤسسات الفعالة، أو يعتمد على مصالح ضيقة أو توزيع السلطة على أساس الغلبة العددية فقط، لا يُعتمد ويُرفض. بهذه الطريقة، يتحوّل النظام الانتخابي إلى أداة لتقييم جدية الأحزاب والمرشحين، ويصبح الاختيار الشعبي قائمًا على الأداء الفعلي والكفاءة، لا الولاء الشخصي أو النفوذ الطائفي، بما يعزز فرص ولادة دولة المؤسسات والخدمات الفعالة للمواطن.
سادسًا: الاعتزال من أجل المخاض السليم
لقد بات من الضروري أن تعتزل هذه المنظومة الحياة السياسية، طوعًا أو عبر إرادة شعبية سلمية، لأن بقاءها في مواقع القرار يعني استمرار الدوران في الحلقة نفسها من الفشل. فالمنظومة التي أوصلت البلاد إلى الانهيار المالي والاجتماعي، وعجزت عن تحقيق أبسط مقومات العدالة، لا يمكن أن تكون هي نفسها من يقود الإصلاح أو يضع أسسه. إنّ المخاض نحو بناء دولة سليمة لا يمكن أن يتمّ بأدوات النظام القديم ولا برجالاته الذين تماهوا مع الفساد حتى صار جزءًا من كيانهم السياسي. المطلوب هو قطيعة تاريخية مع هذا الإرث المثقل بالمحاصصة والطائفية، وولادة عقد اجتماعي جديد يؤسس لدولة المواطنة والكفاءة والشفافية. فالاعتزال هنا ليس انتقامًا، بل ضرورة وطنية لفتح المجال أمام جيلٍ جديدٍ من الكفاءات يؤمن بأن السياسة خدمة عامة لا وسيلة للهيمنة.
سابعًا: رسوخ المنظومة وصعوبة المخاض الإصلاحي
ومع ذلك، يبقى من الواضح أنّ هذه المنظومة السياسية، بما تمتلكه من تشعّبٍ عميق داخل مؤسسات الدولة وتراكم نفوذها عبر عقود، ليست سهلة التفكيك أو الإزاحة. فهي ليست مجموعة أفراد يمكن استبدالهم، بل شبكة مترابطة من المصالح والولاءات والهيمنة الطائفية التي أعادت تشكيل الدولة على صورتها. غير أنّ رسوخ هذه المنظومة لا يعني استحالة تجاوزها، بل يدلّ فقط على أنّ التغيير يحتاج إلى مسار طويل وصبور يقوم على تراكم الوعي، وبناء بدائل سياسية جدّية، وتعزيز استقلال المؤسسات، وسحب شرعية الزبائنية تدريجيًا من خلال الدولة القادرة والعادلة. إنّ المخاض نحو لبنان جديد لن يتحقق بضربة واحدة، بل عبر تفكيك منهجي لأسباب قوة المنظومة، وتثبيت أسس دولة الكفاءة والعدالة كخيار لا رجعة عنه.
ثامنًا: ومتى يتعلّم اللبنانيون؟
سؤالٌ يفرض نفسه بإلحاح: متى سيتعلّم اللبنانيون من التجارب المتكرّرة الغنية لجوهرة نظام قائم على العدالة والكفاءة؟ لقد مرّ اللبنانيون بمحطات كافية لتعلّم معنى الدولة، ومعنى الكفاءة في الحكم، لكنّ الذاكرة السياسية القصيرة تعيد إنتاج الخطأ ذاته بثوب جديد. فالمنظومة الطائفية ما زالت قادرة على تجديد نفسها عبر خطاب الخوف، فتُبقي المواطن أسير الزعيم بدل أن تحرّره إلى فضاء الوطن. ومع ذلك، يبقى الأمل ممكنًا. فجيل الشباب بدأ يدرك أن خلاصه لا يأتي من الخارج ولا من زعيم “منقذ”، بل من إيمانه الجماعي بدولة القانون والمؤسسات. حين يتحوّل الوعي الشعبي إلى قوة ضغطٍ حقيقية، يمكن حينها أن نرى التجارب المؤلمة تتحوّل إلى دروسٍ بنّاءة، والأزمات إلى فرصٍ لإعادة البناء. إنّ “جوهرة النظام القائم على العدالة والكفاءة” ليست حلمًا بعيدًا، بل مشروعًا ينتظر لحظة وعي وجرأة. فحين يتعلّم اللبنانيون أن الحرية بلا مسؤولية فوضى، وأن الديمقراطية بلا عدالة خداع، عندها فقط سيولد لبنان الجديد الذي طال انتظاره.
إنّ مستقبل لبنان لا يُبنى على إعادة إنتاج المنظومة نفسها، بل على شجاعة الاعتراف بالفشل وجرأة الانتقال إلى مرحلة جديدة. المطلوب اليوم ليس ترقيع النظام، بل تأسيس دولة المواطنة والمؤسسات على أنقاض دولة الزعامات والمصالح. وعندها فقط يمكن أن يكون المخاض سليمًا، فتولد دولةٌ سليمة تعيد إلى اللبنانيين الثقة بأن وطنهم يستحق الحياة، وأن السياسة يمكن أن تكون فعل بناء وعدالة، لا وسيلة بقاء وفساد.

