في تطور هو الأول من نوعه، كشفت السلطات الإيرانية عن حصيلة رسمية لضحايا الاحتجاجات العنيفة التي هزت البلاد مؤخراً، معلنةً سقوط أكثر من 3 آلاف قتيل.
هذا الإعلان جاء متزامناً مع رسائل دبلوماسية “نارية” وجهتها طهران إلى واشنطن، تحذر فيها من أن أي هجوم أميركي سيشعل فتيل صراع شامل يتجاوز الحدود الإيرانية ليضرب أمن الطاقة والملاحة العالمية.
1. أرقام الضحايا: بون شاسع بين الرواية الرسمية والتقارير الحقوقية
أعلن التلفزيون الرسمي الإيراني أن حصيلة القتلى بلغت 3117 شخصاً. وبحسب بيان مؤسسة “الشهداء”، تم تصنيف 2427 منهم كـ “شهداء” (بينهم رجال أمن ومدنيون اعتبروا ضحايا “أبرياء”)، بينما صُنّف 690 شخصاً كـ “إرهابيين ومخربين” هاجموا مراكز عسكرية.
في المقابل، ترسم المنظمات الحقوقية صورة أكثر قتامة:
- منظمة “هرانا”: أكدت مقتل 4519 شخصاً، مع وجود أكثر من 9 آلاف حالة وفاة أخرى لا تزال قيد التحقيق.
- منظمة حقوق الإنسان في إيران (أوسلو): حذرت من أن العدد الفعلي قد يتجاوز 20 ألف قتيل، واصفة ما جرى بأنه “أكبر مجزرة بحق المتظاهرين في العصر الحديث”.
- المعتقلون: تشير التقديرات إلى اعتقال نحو 26,500 شخص، وسط مخاوف جدية من تنفيذ أحكام إعدام جماعية.
2. رسالة عراقجي لترمب: “جربوا الاحترام بدل المقامرة”
عبر مقال في صحيفة “وول ستريت جورنال”، وجه وزير الخارجية عباس عراقجي تحذيراً مباشراً لإدارة دونالد ترامب، مؤكداً أن إيران لن تمارس “ضبط النفس” كما فعلت في يونيو 2025. وأوضح عراقجي أن أي اعتداء أميركي سيواجه برد “بكل ما تملك إيران”، محذراً من أن الحرب لن تكون محدودة بل ستتحول إلى صراع إقليمي “شرس وطويل”. ومع ذلك، أبقى عراقجي الباب موارباً أمام الدبلوماسية، مشترطاً تعامل واشنطن بـ “احترام” لفتح نافذة الحوار.
3. انتهاكات طبية وانقطاع “الشبكة”
كشفت تقارير حقوقية مدعومة بشهادات أطباء عن فظائع شملت استهداف الجرحى داخل مرافق العلاج أو تصفيتهم بعد بدء الرعاية الطبية، في خرق فاضح لحياد الطب. وبالتوازي، استمر انقطاع الإنترنت لأكثر من 300 ساعة، فيما وصفه ناشطون بمحاولة “خنق الحقيقة” وعزل الداخل عن الخارج، مع استخدام “الإنترنت الأبيض” لبث الدعاية الرسمية فقط.
4. الداخل الإيراني: “رائحة الموت” وحداد صامت
نقلت الصحافية الإيرانية إلهه محمدي من داخل طهران وصفاً مؤثراً للحال العام، قائلة إن العاصمة “تفوح برائحة الموت” وتعيش “حداداً جماعياً وذهولاً واسعاً”. وأشارت إلى توقف الصحف المستقلة وتصاعد حالة الحزن المكبوت. من جانبه، طرح الصحافي محسن صالحي خواه تساؤلاً حاداً: “إذا كان آلاف القتلى سقطوا بيد الموساد كما تقول الرواية الرسمية، فهذا يعني فشلاً أمنياً ذريعاً يستوجب محاكمة القيادات”.
5. الموقف الأميركي: “سوء إدارة لا تدخل خارجي”
رفضت الخارجية الأميركية الرواية الإيرانية التي تحمل الخارج مسؤولية الاحتجاجات، واصفة إياها بـ “المحاولة المضحكة لإعادة كتابة الواقع”. وأكدت واشنطن أن الحراك هو نتاج سنوات من “القمع وسوء الإدارة”، مطالبة طهران بوقف العنف فوراً والإفراج عن المعتقلين، معتبرة أن التلويح بالإعدامات يفاقم عزلة النظام.
6. استمرار الملاحقات والشكاوى القانونية
ميدانياً، تتواصل الاعتقالات في محافظات فارس وكرمان وكردستان، حيث زادت السلطات من وتيرة ملاحقة من تصفهم بـ “المحرضين”. وفي خطوة رمزية، رفعت نقابة محامي السلطة القضائية شكوى ضد الرئيس ترمب ومؤسسة بهلوي بتهمة “دعم الإرهاب”، بينما حاولت السلطات نفى شائعات اعتقال الرئيس الأسبق حسن روحاني وظريف عبر نشر صور لهما في مراسم عزاء.
ويأتي إعلان التلفزيون الرسمي عن مقتل 3117 شخصاً كخطوة استباقية من النظام لمحاولة احتواء الروايات الدولية التي بدأت تتحدث عن أرقام مرعبة. ولكن هذا الاعتراف “المنضبط” لم يفلح في ردم الهوة مع تقارير المنظمات الحقوقية:
- فبينما تحاول السلطة تصنيف القتلى بين “شهداء” و”مخربين” لشرعنة القمع، تؤكد منظمة “هرانا” أن الرقم الفعلي للضحايا المؤكدين تجاوز 4519، مع وجود آلاف الحالات قيد التحقيق.
- هذا التضارب يشير إلى أن النظام يحاول “قوننة” الكارثة عبر مؤسساته (مثل مؤسسة الشهداء) لامتصاص غضب العائلات داخلياً وقطع الطريق على تحقيق دولي مستقل.
تقف إيران اليوم بين جرح داخلي نازف خلّف آلاف الضحايا، وتهديد خارجي يقرع طبول الحرب. وبينما تحاول السلطة “قوننة” القمع عبر مشاريع قوانين عاجلة، يترقب المجتمع الدولي مدى قدرة طهران على احتواء الغضب الشعبي المتصاعد تحت وطأة الأزمة الاقتصادية والانسداد السياسي.

