لماذا الآن؟ أبعاد التصعيد الإسرائيلي وتوقف «الميكانيزم».. هل يدفع الجنوب ثمن رفض الحزب التسليم للدولة؟

الغارات الاسرائيلية
يزداد المشهد تعقيداً مع إصرار حزب الله على الاحتفاظ ببنيته العسكرية ورفضه تسليم سلاحه للشرعية. هذا التعنت يمنح إسرائيل "الذريعة الدائمة" لمواصلة التدمير، خاصة مع اتهامها للحزب باستغلال فترة الهدوء النسبي لإعادة التموضع.

يشهد لبنان فصلاً جديداً ومكثفاً من التصعيد العسكري الإسرائيلي الذي تجاوز قواعد الاشتباك التقليدية، ليمسّ بعمقه الاستراتيجي والمدني. هذا التصعيد، الذي يتمثل في الغارات المكثفة واغتيال الكوادر الميدانية، لا يمكن قراءته كفعل عسكري معزول، بل هو حراك معقد يهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض مستغلاً الفراغ الدبلوماسي الناتج عن تعطل “ميكانيزم” مراقبة وقف إطلاق النار.

1. استغلال «موت السريري» للميكانيزم

يأتي التصعيد الإسرائيلي الراهن في لحظة دقيقة تميزت بـ تأجيل وجمود اجتماعات لجنة مراقبة وقف إطلاق النار (الميكانيزم).

وهذا التعطيل، الذي ترافق مع رحيل المبعوثين الأساسيين إلى لبنان، حوّل الساحة اللبنانية إلى منطقة بلا “حكم” أو “مراقب”.

وتستغل إسرائيل تستغل هذا الغموض الدبلوماسي لتنفيذ غاراتها التحذيرية في قناريت والكفور وجرجوع، مدركةً أن غياب اجتماعات اللجنة يعني غياب “المحضر الرسمي” الذي يوثق الخروقات، مما يمنحها هامشاً واسعاً للتحرك العسكري دون رادع تقني أو سياسي فوري.

2. فرض «الواقع الجغرافي» بالنار

المحرك الأول للتصعيد هو السعي الإسرائيلي لفرض منطقة عازلة “بالنار” شمال الليطاني، حيث تحاول إسرائيل استباق أي محاولة لإحياء “الميكانيزم” عبر تدمير ما تصفه بـ”البنى التحتية المعاد إعمارها” لحزب الله.

وبالتالي فإن الرسالة الإسرائيلية واضحة: في ظل غياب الرقابة الدولية الفاعلة، ستتولى الطائرات الإسرائيلية مهمة “تطهير” المنطقة، فارضةً شروطاً ميدانية قاسية قبل أي عودة لطاولة التفاوض.

3. «مطرقة» الغارات و«سندان» تعنت السلاح

يزداد المشهد تعقيداً مع إصرار حزب الله على الاحتفاظ ببنيته العسكرية ورفضه تسليم سلاحه للشرعية. هذا التعنت يمنح إسرائيل “الذريعة الدائمة” لمواصلة التدمير، خاصة مع اتهامها للحزب باستغلال فترة الهدوء النسبي لإعادة التموضع.

إقرأ أيضا: بعبدا وحارة حريك: «قطيعة شاملة» والعهد يرفض الابتزاز.. وتحذير من «اللعب بنار الشارع»

وبينما يجهد العهد الجديد بقيادة الرئيس جوزاف عون لإرساء مفهوم الدولة وحصرية السلاح، يجد لبنان نفسه محاصراً بين رفض الحزب الانصياع للقرارات الدولية (1701 و1559)، وبين رغبة إسرائيل في استغلال “موت الميكانيزم” لتوجيه ضربات قاضية لكوادر الحزب، مثل اغتيال “أبو علي سلامي” في البازورية.

4. الضغط الشعبي وسياسة «تفريغ الأرض»

الإنذارات المتكررة التي يطلقها الجيش الإسرائيلي تهدف إلى خلق حالة من النزوح القسري الدائم. بتفريغ القرى من سكانها، تحول إسرائيل هذه البلدات إلى “مناطق قتل” عسكرية. ومع تأجيل اجتماعات اللجنة الدولية، يجد الأهالي أنفسهم بلا حماية قانونية أو دولية، مما يزيد من كلفة “خيار المقاومة” الذي لم يعد يوفر رادعاً، بل بات يستجلب الدمار نتيجة رفض الحزب الانضواء تحت لواء الجيش اللبناني.

5. رسائل لباريس وواشنطن

مع اقتراب مؤتمر دعم الجيش اللبناني في باريس، تحاول إسرائيل القول إن أي “ميكانيزم” مستقبلي يجب أن يكون بصلاحيات “تنفيذية” لا “تشاورية” فقط. التصعيد الحالي هو رسالة للمجتمع الدولي بأن الصيغ السابقة لمراقبة الحدود قد فشلت، وأن إسرائيل لن تعود إلى طاولة الاجتماعات إلا بشروط تضمن نزع سلاح الحزب فعلياً، وليس مجرد مراقبة تحركاته.

سباق مع الوقت

إن ما وراء التصعيد الإسرائيلي هو رغبة في تحويل “تعطيل الميكانيزم” إلى فرصة لتغيير قواعد اللعبة بشكل جذري. لكن هذا الهدف الإسرائيلي يجد بيئة خصبة في التعنت الممانع الذي يرفض الاعتراف بتغير موازين القوى.

بين مطرقة الغارات الإسرائيلية التي تستغل الفراغ الدبلوماسي، وسندان السلاح غير الشرعي الذي يرفض التسليم للدولة، يبقى لبنان ساحة مكشوفة، حيث تضيع السيادة بين “لجنة معطلة” و”بندقية متمردة”.

السابق
أسرار الصحف المحلية الصادرة اليوم الخميس 22 كانون الثاني 2026
التالي
إيران تكسر صمت الدم: أول حصيلة رسمية لضحايا الاحتجاجات.. 3117 شخصاً بينهم 2427 «شهداء»