في صباح يوم السبت الذي وُصف بالتاريخي، بدأت ملامح خارطة سياسية وعسكرية جديدة ترتسم في سوريا، حيث أعلن الجيش العربي السوري بسط سيطرته الكاملة على مدينة دير حافر في ريف حلب الشرقي، بالتوازي مع صدور حزمة مراسيم رئاسية من الرئيس السوري أحمد الشرع، تهدف إلى إعادة صياغة العقد الاجتماعي السوري وتكريس حقوق المكون الكردي كجزء لا يتجزأ من النسيج الوطني.
الميدان: انسحاب «قسد» وبدء «السيادة الكاملة»
وجاءت السيطرة العسكرية عقب انسحاب “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) من مناطق غرب الفرات، وهو الانسحاب الذي أعلنه قائد القوات مظلوم عبدي مساء الجمعة، واصفاً إياه بأنه “بادرة حسن نية” لتسريع عملية الدمج مع مؤسسات الدولة السورية، استناداً إلى اتفاق العاشر من مارس (آذار) الماضي.
وبدأت طلائع الجيش السوري بالدخول إلى دير حافر والمناطق المحيطة بها فجر السبت، وسط هدوء حذر ساد المنطقة بعد أيام من التوتر. وأصدرت هيئة العمليات في الجيش بياناً طمأنت فيه القوات المنسحبة بأنه لن يتم استهدافها خلال تحركها نحو شرق النهر، مهيبة بالمدنيين التريث في العودة إلى منازلهم حتى تنتهي الفرق الهندسية من إزالة الألغام والمخلفات الحربية لضمان سلامتهم.
وتأتي هذه السيطرة بعد أسبوع حافل بالتحولات، حيث تمكن الجيش السوري مسبقاً من إخراج مقاتلي “قسد” من حيي الأشرفية والشيخ مقصود بمدينة حلب. ورغم وقوع قصف مركز ليلة الجمعة على مواقع وصفتها دمشق بأنها “قواعد عسكرية انطلقت منها مسيرات استهدفت حلب”، إلا أن لغة التهدئة والوساطات الدولية -التي قادها التحالف الدولي ودول صديقة- نجحت في تأمين خروج آمن للقوات الكردية باتجاه الرقة وشرق الفرات.
التحول السياسي: مرسوم «أحمد الشرع» وإلغاء عقود التهميش
بالتوازي مع التحرك العسكري، فاجأ الرئيس السوري أحمد الشرع السوريين والمجتمع الدولي بإصدار مرسوم تشريعي وصفه المراقبون بـ”الجريء والتاريخي”. المرسوم لم يكتفِ بلملمة جراح الحرب، بل غاص في عمق الأزمات التاريخية التي عانى منها الأكراد السوريون منذ ستينات القرن الماضي.
نص المرسوم صراحة على التزام الدولة السورية بحماية التنوع الثقافي واللغوي، ومنح الجنسية السورية لجميع المواطنين من أصول كردية المقيمين في سوريا، ملغياً بذلك كافة التبعات القانونية والتدابير الاستثنائية التي ترتبت على “إحصاء عام 1962” الشهير في محافظة الحسكة، والذي حرم آلاف الأكراد من حقوق المواطنة لعقود.
ولم يتوقف المرسوم عند الحقوق القانونية فحسب، بل امتد ليشمل الهوية الثقافية؛ حيث اعتُبرت اللغة الكردية “لغة وطنية” يُسمح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة بالمناطق ذات الكثافة الكردية، كما تم إعلان عيد “النوروز” عيدا رسمياً وعطلة مدفوعة الأجر في كافة أنحاء البلاد.
خطاب «صلاح الدين» وطي صفحة الصراع
في كلمة وجدانية وجهها الرئيس الشرع للأكراد قبيل توقيع المرسوم، خاطبهم بلقب “أحفاد صلاح الدين”، مؤكداً أن الدولة السورية لا تريد شراً بأهلها، وأن من يمسهم بشر فهو “خصيم الدولة إلى يوم الدين”. هذا الخطاب كان بمثابة دعوة صريحة لإنهاء حالة الانقسام، وحثاً لكل من هجر أرضه قسراً على العودة “دون شرط أو قيد سوى إلقاء السلاح”، والانخراط في مشروع التنمية والإعمار ووحدة البلاد.
الحراك الدبلوماسي: محطة أربيل
وعلى الصعيد الدبلوماسي، انتقل الزخم إلى مدينة أربيل في إقليم كردستان العراق، حيث وصل صباح السبت المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم باراك، بصحبة قائد “قسد” مظلوم عبدي. وتعكس هذه الزيارة اهتماماً دولياً، وتحديداً من واشنطن، بضمان انتقال سلس للسلطة في مناطق غرب الفرات، وبحث مستقبل العلاقة بين الإدارة الذاتية ودمشق في ظل اتفاق الدمج.
الاجتماعات التي جرت مع الزعيم مسعود بارزاني ورئيس الإقليم نيجرفان بارزاني، تهدف -بحسب مصادر- إلى وضع اللمسات الأخيرة على التفاهمات الكبرى التي تقضي بعودة مؤسسات الدولة السورية لممارسة مهامها وتقديم الخدمات للسكان، مع الحفاظ على خصوصية المكونات المحلية ضمن إطار “السيادة الوطنية”.
إن مشهد دخول الجيش السوري إلى دير حافر، تزامناً مع انسحاب “قسد” المنظم والقرارات الرئاسية الحاسمة بشأن المواطنة واللغة، يؤشر على بداية مرحلة “التعافي السياسي” في سوريا. ويبدو أن دمشق قررت مواجهة تحديات الانفصال عبر “الاحتواء القانوني والوطني”، مما يفتح الباب أمام استقرار دائم في شرق البلاد، ويقطع الطريق على التدخلات الخارجية التي استغلت الملف الكردي لسنوات طويلة.

