نكون أو لا نكون.. تلك هي المسألة؟

وليم شكسبير

“لا أحد يعرف أن البعض يبذلون مجهودًا جبارًا لكي يكونوا مجردَ أشخاصٍ عاديين.” لم يكن كامو يقصد المهمَّشين وحدهم، بل حتى أصحاب الوعي المرتفع، والعقول المتَّقدة أولئك الذين يُجبرون على بذل جهدٍ غير عادي كي ينسجموا مع واقعٍ لا يشبه أفكارهم، ولا يحتمل أسئلتهم،  ولا يعترف بثقل ما يرونه أبعد مما يُرى. وتلك… هي المعاناة الحقيقية.

نعم، “نكون أو لا نكون”؟ أو “أكون أو لا أكون”؟ كما جاءت في النص حرفيًا: هي مقولة اشتهرت لأنها جاءت على لسان الأمير هاملت في مسرحية “هاملت” لوليام شكسبير عام 1601، في واحدة من أكثر لحظات المسرح تأثيرًا. تعكس صراع الإنسان الداخلي بين الحياة والموت، وبين القلق من المجهول… والقلق في نظري من المعلوم!

استعارة او أستخدام كلمة أو صفة أو مصطلح “الهاوية السحيقة” التي نتدحرج فيها نحن اللبنانيين منذ عقودًا وعقود اذا صح التعبير والاستعارة والتشبيه ليست مجرد مكان مادي، بل مرآة للوجود، للوعي، ولأشكال الغباء والانسحاب والخيال والدمار الذاتي الذي نعيشه يوميًا في البلاد التي أصبحت عنوانًا للدمار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والديني وأبعد… والتكيف السلبي؛ أو إدراك الواقع بلا مواجهة، أو البحث عن الحد الأدنى من القبول بالأمر الذي نعتبره واقعًا بدل الرفض والتغيير. نفسيًا، تمثل هذا الحالة في علم النفس الباطني حكمة واقعية صامتة: تعرف خطر المأزق، لكنها تختار النجاة الذاتي المُبسّط، وتؤجل الفعل الأكبر. فلسفيًا، هي رمز النجاة بالحد الأدنى او الأضعف، الإنسان الذي يعيش مأزقه بصبر أو استسلام مؤقت، لكنه مُعرّض لأن يتحول الركود لديه إلى استسلام دائمًا وأبديًا… أدبيًا، هو صورة الصبر الداخلي، ولكن صبرًا بلا مبادرة، صبرًا على الجمود، صبرًا على التكيّف مع الواقع بدل تغييره صبرًا على حياة الخنوع والاستسلام بدل الانقلاب على الأوضاع السلبية القائمة ونسفها أو تغيرها.

هناك أيضا حالات مدمّرة للفرص: الغباء المُدمّر الواعي؛ أفعالها ليست خطأ غير مقصود، بل قرار نشط يدمر الحلول. نفسيًا، يعكس التخريب الذاتي والعدوان المكبوت؛ شخص يحوّل مأزقه الشخصي إلى كارثة جماعية، سواء بدافع الغضب، أو وهم السيطرة، أو شعور بالعجز تحوّل إلى تدمير الآخرين مع ذاته. فلسفيًا، هو الأحمق الوجودي؛ يعرف الطريق، لكنه يختار الطريق إلى الخراب، يختار الألم بدل النجاة، والخسارة بدل الحل. أدبيًا، يجسد الشر الداخلي، الغباء الذي يقتل الفرص، والنموذج الذي يُظهر أن الإرادة يمكن أن تكون عدوًا لدودًا للذات إذا انحرفت عن العقل التجريبي والمنطق والحكمة. هذا النوع في علم النفس عمومًا يمثل أشد أنواع الغباء خطورة، لأنه فعل واعٍ، مدمر، وخاطئ في جوهره، ولا يترك مجالًا للتغيير والنجاة لأي طرف مهما كان.

التكيف الواقعي حذر لكنه محفوف بالركود، بينما التدمير الواعي هو الفعل الأشد خطورة على الجميع. في الحفرة، يظهر بوضوح أن الوعي وحده لا يكفي، الفعل مسؤول، والخطأ الأكبر هو أن تتحول الإرادة إلى أداة تدمير يستخدمها ويستخدمنا الأخرين

هنآك أيضا حالة النائمين على أوجاعهم.. عيونهم مغلقة وما أكثرهم في بلدنا او لبناننا، أجسامهم ساكنة، وكأنها أنسحبت من العالم كله. هنا يظهر الانسحاب الدفاعي وتجمّد الاستجابة، استجابة نفسية طبيعية عند مواجهة تهديد يفوق قدرة الفرد أو الجماعات على التعامل. هذا النوم ليس كسلًا، بل هروب من الواقع الصعب، وإغلاق بوابة الوعي لتخفيف الألم النفسي.

فلسفيًا، يمثل هذا الشخص سوء النية الوجودي بحسب سارتر وكامو: محاولة الهروب من الحرية والمسؤولية عبر الصمت والانكماش. أدبيًا، هو أو هم رمز الألم الصامت، والانعزال الداخلي، والهروب من مواجهة الواقع القاسي. رغم عدم القدرة على الفعل، لا يضرون الآخرين ولا ينفعون، ويبقوا احيًا نفسيًا ومجتمعيًا ولكنهم في الحقيقة أمواتًا “يرزقون”، مجرد ضحايا لمأزق يفوق طاقتهم، لكنهم ليسوا حمقًا؛ الغباء لا يساوي الانسحاب في هذه الحالة، بل هو صمت الحياة نفسه، محاولة للبقاء رغم العجز أو ما جرى لهما وما واجهوا في هذه البلاد.. بلادنا…

إقرأ أيضا: لبنان على حافة الداخل..والمنطقة على عدّاد الحرب: سلاح «حزب الله» وإنذارات إسرائيل وظلال الضربة الأميركية لإيران

هناك حالة الوهم، حالة من يعيشون على الوهم من يتخيلوا سلمًا وهميًا للخروج من الهاوية، يظنون أن التخيلات فقط تغني عن البناء، وأن الرمز يمكن أن ينقذهم. هذا نموذج التفكير السحري او الخيالي حيث يحاول الإنسان استبدال الفعل بالخيال او السحر أو التدجيل على طريقة حايك وعبداللطيف على شاشات رأس السنة.

نفسيًا، يعكس هؤلاء محاولة الهروب من الواقع عبر الإيهام، وهو أقل خطورة من التدمير، لكنه يضيّع الوقت ويستبدل الحلول العملية بأوهام لا تفيد. فلسفيًا، يمثل البحث عن النجاة في الخيال أو الرومانسية أو الكذب على أنفسنا والاخرين كما هئ حالنا في لبنان، والاعتقاد بأن الرمزية وحدها تكفي، وهو تجسيد لحالة الأمل غير القابل للتطبيق. أدبيًا، الشخصية الرومانسية هنا رمز الإبداع والخيال الإنساني، لكنها غير فعالة دون فعل للبقاء الواقعي بصلابة وقوة على أرض الواقع.

السقوط في الحفرة أو التدحرج في الهاوية السحيقة هنا مرآة للوعي البشري، درسا في الاختيار بين الفعل واللا-فعل، بين التدمير والانكماش، بين الواقع والوهم. الغباء الحقيقي ليس في فقدان القدرة على الفعل، بل في اختيار تدمير الحلول المتاحة. الانسحاب صامت ولكنه حي، والخيال جميل ولكنه عديم النفع العملي، والتكيف الواقعي حذر لكنه محفوف بالركود، بينما التدمير الواعي هو الفعل الأشد خطورة على الجميع. في الحفرة، يظهر بوضوح أن الوعي وحده لا يكفي، الفعل مسؤول، والخطأ الأكبر هو أن تتحول الإرادة إلى أداة تدمير يستخدمها ويستخدمنا الأخرين.

يقول المفكر المهدي المنجرة، “إنّ أخطر عدوّ للأمة هو تخلفها في علوم العقل والحكمة، وليس فقرها أو ضعفها الاقتصادي.”

في زمن الذُّلُّقراطية وفي بعض المجتمعات لا تُـطَـارَدُ العقول لأنها فاشلة، بل لأنها مُحرِجة… فوجود الكفاءة يَـفْـضًـحُ الرداءة، والعقل الحر يربك نظامًا بُني على الطاعة لا على التفكير… وحين تصبح المناصب أعلى من المعرفة، والسلطة أسبق من الكفاءة، يتحول العالم إلى عبئ، ويصير الجاهل المُطيع (رجل مرحلة)…!

إقرأ أيضا: إسرائيل وأزمات العالم العربي: تحريك الفوضى لمصالحها الاستراتيجية؟

ليست المشكلة في هجرة العقول، بل في البيئة التي تجعل بقاءها مستحيلًا.

بيروقراطية تخاف السؤال، ومصالح صغيرة تخشى أي وعي كبير، وسلمُ قيمٍ يكرّم المنصب ويهمّش الفكر.

فحين كان العالِم يُقدَّم في المجالس، كان المجتمع يتقدّم….وحين صار يُقصى لصالح صاحب النفوذ،

بدأ التآكل من الداخل.

فالتدهور لا يبدأ بالفقر، بل حين يُقصى العقل وتُدار الدولة بمنطق الولاء لا الكفاءة كما هو حالنا في لبنان وما أوقعتنا فيه *(طبقة الفساد التاريخية القابضة على رقبة البلد ومجرى التنفس والصوت)*:

– *الأزمة الاقتصادية*: انهيار الليرة اللبنانية وفقدانها أكثر من 98% من قيمتها، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتضخم مالي وتآكل الرواتب والأجور.

– *الفساد المالي*: هدر المال العام واختلاسه، مما أدى إلى تراكم الديون وعدم قدرة الحكومة على دفع رواتب الموظفين.

– *انقطاع الكهرباء*: نقص في إمدادات الكهرباء، مما أثر على الحياة اليومية للمواطنين.

– *نقص الوقود*: أزمة في توفير الوقود، مما أدى إلى تعطيل الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

– *التدهور البيئي*: تلوث البيئة وتدهورها، مما أثر على صحة المواطنين.

– *الصراعات الطائفية*: الصراعات الطائفية والسياسية، مما أدى إلى عدم الاستقرار والاضطرابات.

– *التهجير والهجر*: تهجير المواطنين من مناطقهم بسبب الصراعات والاضطرابات.

– *ضعف الخدمات الصحية*: تدهور الخدمات الصحية، مما أثر على صحة المواطنين.

– *الانتشار العسكري*: انتشار السلاح الغير شرعي والميليشيات، مما أدى إلى عدم الاستقرار والأمان.

– *التهريب والاقتصاد الأسود*: انتشار التهريب والاقتصاد الأسود، مما أدى إلى فقدان الحكومة للإيرادات.

في زمن الذُّلُّقراطية وفي بعض المجتمعات لا تُـطَـارَدُ العقول لأنها فاشلة، بل لأنها مُحرِجة… فوجود الكفاءة يَـفْـضًـحُ الرداءة، والعقل الحر يربك نظامًا بُني على الطاعة لا على التفكير… وحين تصبح المناصب أعلى من المعرفة، والسلطة أسبق من الكفاءة، يتحول العالم إلى عبئ، ويصير الجاهل المُطيع (رجل مرحلة)

هذه بعض المشاكل التي أوقعت السلطة الفاسدة الشعب اللبناني فيها تاريخيًا ومازلنا نتدحرج في تلك الهاوية السحيقة….

نعم، الذين يظنون أنهم يفهمون كلَّ شيء، غالبًا لا يفقهون شيئًا، لأن ادّعاء الإحاطة يُغلق باب الدهشة، ومن أغلق باب السؤال مات فيه المعنى.

هل نخاف معرفة الأسباب وراء هذه المشاكل أو كيفية حلها وحل طبقة الفساد قبلها وبعدها؟

هل نخاف هجرة العقول فعلًا…أم نخاف بقاءها لأنها ستُجبِرنا على التغيير والعبور إلى الأمام كما هي طبيعة الشعوب الحرّة…؟

تلك ليست مجرد أسئلة عادية بسيطة، بل أسئلة مصيرية.. وجودية.. نكون او  لا نكون؟

السابق
مجلس القضاء الأعلى يتفقد عدلية صيدا والنبطية: لا عمل قضائي سليم دون مقوّمات مادية ومعنوية
التالي
بعد الغارات على سحمر.. بلدة مشغرة تحت النار الإسرائيلية