تسعى إسرائيل جاهدة لاستثمار الفراغات السياسية والاضطرابات في العالم العربي، وهو ما يعكس توجهًا استراتيجيًا تهدف من ورائه إلى تعزيز قدرتها على التلاعب بالخرائط الجيوسياسية في المنطقة، خاصةً في القرن الإفريقي وشرق البحر الأحمر. فقد أدركت إسرائيل أن الانتصارات العسكرية التي حققتها في المنطقة، على الرغم من أنها قد أكسبتها بعض النفوذ، لم تكن كافية لتحويل هذه النجاحات إلى مشروع سياسي مستدام يخدم مصالحها على المدى الطويل. ولهذا، بدأت إسرائيل تسعى إلى تعزيز انفصال بعض المناطق العربية من أجل إحداث توازنات جديدة على الأرض قد تحقق لها مزيدًا من القوة الاقتصادية والسياسية.
في هذا السياق، يشير بعض المراقبين إلى دور إسرائيل في إشعال بذور الانفصال في دول عربية عدة، حيث يظهر هذا التوجه في المواقف المتزايدة الداعمة للأجندات الانفصالية في بعض المناطق التي تعاني من الأزمات. ومن أبرز الأمثلة على ذلك اعتراف رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بأرض الصومال، وهو اعتراف يعزز من فكرة انفصال هذه الأرض عن الصومال. كما أن إعلان إسرائيل دعمها لإنشاء دولة جنوب اليمن عاصمتها عدن والانفصال عن اليمن يظهر أيضًا تحولًا جيوسياسيًا خطيرًا في المنطقة.
إقرأ أيضا: طبول الحرب تقرع فوق أنقاض الاحتجاجات: ترامب يهدد بـ«تحرك وشيك» ضد طهران.. وإيران تتأهب لـ«الرد الحاسم»
ومع تنامي هذه التحركات، يظهر جليًا كيف يمكن لإسرائيل أن تستفيد من هذه الانفصالات عبر فتح الأبواب لإنشاء قواعد عسكرية في مناطق استراتيجية مثل عدن وأرض الصومال، مما يمنحها السيطرة على أحد أهم الممرات البحرية التجارية في المنطقة: مضيق باب المندب. هذا الممر الذي يعد من أبرز النقاط الحيوية في التجارة العالمية، والذي يمثل مصلحة كبرى في السيطرة عليه، يمكن أن يكون بيد إسرائيل في حال سيطرت على هذه المناطق.
يشير بعض المراقبين إلى دور إسرائيل في إشعال بذور الانفصال في دول عربية عدة، حيث يظهر هذا التوجه في المواقف المتزايدة الداعمة للأجندات الانفصالية في بعض المناطق التي تعاني من الأزمات
وقد أضاف هذا التوجه الإسرائيلي حدة في تأجيج الصراعات في الدول العربية، فمع كل انفصال جديد، تصبح المنطقة أكثر هشاشة، مما يعزز من تواجد القوى الأجنبية، لا سيما أمريكا وإسرائيل، في المنطقة. وبالتالي، فإن هذا التلاعب الجيوسياسي يسهم في استمرار الأزمات من خلال تمويل هذه الحروب وتعميق الانقسامات، مما يتيح لها فرصًا جديدة للاستثمار وإعادة رسم معالم المستقبل الجيوسياسي في المنطقة.
في هذا السياق، يقول المفكر العربي ابن خلدون إن من علامات انهيار الدولة أن يتولى الصغار والجهلة مناصب الكبار، وأن يُقضى على العلماء وأصحاب الرأي. وحينها تُدار الأمور بالأهواء لا بالقوانين، ويُصبح الفساد العملة الرسمية الوحيدة للنجاح. وهذا ما تبرزه الأزمات الحالية في العالم العربي؛ إذ يبدو أن بعض الدول العربية باتت تتعامل مع القضايا السياسية بشكل عاطفي أو يتأثر بالتحركات الخارجية، مما يزيد من تدهور الأوضاع ويفتح المجال لخلق بيئة خصبة للانفصال والفوضى.
بعد أن شعرت إسرائيل بتراجع دورها في المنطقة، رغم الانجازات العسكرية الكبيرة التي حققتها في العالم العربي، لم تتمكن من توظيف هذه النجاحات العسكرية وتحويلها إلى مشروع سياسي يخدم مصالحها. وفي ظل هذا التحدي، بدأت إسرائيل توجه استراتيجيتها نحو التلاعب بالخريطة الجيوسياسية للعالم العربي، مع التركيز بشكل خاص على القرن الإفريقي. فبين أرض الصومال وعدن، يُطرح تساؤل كبير: هل تقترب إسرائيل من السيطرة على باب المندب؟
من خلال اعتراف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأرض الصومال، وإعلان دعم إسرائيل لانفصال جنوب اليمن عن اليمن، عاصمتها عدن، بدأت إسرائيل تعمل على إعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي في المنطقة. هذه التحركات تمثل تهديدًا استراتيجيًا للمنطقة بأسرها، حيث تعزز إسرائيل من وجودها العسكري على الممرات البحرية الحيوية مثل باب المندب، الذي يُعد من أهم الممرات التجارية في العالم.
بعد أن شعرت إسرائيل بتراجع دورها في المنطقة، رغم الانجازات العسكرية الكبيرة التي حققتها في العالم العربي، لم تتمكن من توظيف هذه النجاحات العسكرية وتحويلها إلى مشروع سياسي يخدم مصالحها
تشير الخريطة المتداولة في هذا السياق إلى أن إسرائيل قد تُقيم قواعد عسكرية في عدن وأرض الصومال، مما يمنحها السيطرة على هذا الممر الاستراتيجي. وقد تستهدف إسرائيل الحوثيين في هذه المنطقة، الذين يشكلون تهديدًا على الأمن الإقليمي.
إضافةً إلى ذلك، يوجد في المنطقة العربية عدد من القادة الانفصاليين الذين يسهمون بشكل غير مباشر في تفكيك الدولة الوطنية وفتح الأبواب للتدخلات الخارجية. على سبيل المثال، خليفة حفتر في ليبيا، محمد حمدان دقلو (حمدتي) في السودان، عيدروس الزبيدي في اليمن، حكمت الهجري في سوريا، عبد الرحمن محمد عبدالله عروا في صومالاند، وكذلك ياسر أبو شباب ومجموعته في غزة. هؤلاء القادة الانفصاليين أسهموا في إشعال الفوضى والنزاعات الداخلية، مما جعل المنطقة أكثر هشاشة وجذبًا للتدخلات الأجنبية.
من خلال هذه الرؤية، يمكن القول أن إسرائيل تستفيد بشكل مباشر من هذا الوضع، حيث تتمكن من تغذية هذه الانقسامات والانفصالات لتأمين مصالحها الاستراتيجية. ولعل السؤال المطروح هنا هو: هل يسمح المجتمع الدولي، وخاصة الولايات المتحدة والغرب، لإسرائيل بمواصلة هذا التلاعب الذي يهدد الاستقرار في المنطقة؟ وإذا كان الأمر كذلك، هل ستظل المنطقة العربية مرتهنة لهذه الصراعات المفتوحة، التي ستجعلها مسرحًا لتنافس القوى الكبرى وتحقيق أهدافها بعيدة المدى؟
إقرأ أيضا: حزب الله بين «البيانات المليونية» و«حرب الإسناد» الانتحارية: هل تطلق طهران «ساعة الصفر» من جنوب لبنان؟
لا شك أن الأزمات المفتوحة والمستمرة في المنطقة تمثل فرصة غير محدودة للدول الكبرى لفرض زعزعة في استقرار العالم العربي، مع الحفاظ على النفوذ الأمريكي والإسرائيلي، مما يساهم في توجيه المنطقة نحو صراعات لا نهاية لها. هذه الحروب المستعرة تساهم في تحقيق مصالح الدول الكبرى عبر إضعاف المنطقة وتعميق انقساماتها الداخلية، بينما يتم تمرير مشاريع اقتصادية واستثمارية ضخمة تهدف إلى تحقيق مكاسب مالية هائلة على حساب الشعوب والأوطان.
إن استمرار هذه التحركات والانقسامات في العالم العربي لا يصب في مصلحة الشعوب العربية، بل يعزز من تواجد القوى الأجنبية، ويُبقي المنطقة في حالة من عدم الاستقرار الدائم. هذا الوضع يفتح المجال لإسرائيل وحلفائها لاستغلال الفراغات السياسية والانفصالية لتحقيق أجنداتهم الجيوسياسية على حساب الأمن القومي العربي.

