جنازة خامنئي وثنائية الخير والشر

وجيه قانصو

لم تكن جنازة السيد علي خامنئي عادية، لا وفق المراسيم التي تُقام لدفن رئيس دولة متوفى، ولا وفق بساطة دفن أي رجل دين ورع بذل حياته للعلم ونشر الفضيلة. فالتكثيف الرمزي والديني للجنازة، والمبالغة في استعراض الحشود الشعبية وتضخيم أرقامها، يدلان على أن حدث الدفن يتجاوز شخص المتوفى بما يمكن أن يتمتع به من خصال ذاتية، وما قد يجسده من إنجازات حكم مديد استمر لعقود. هو حدث النظام الإيراني نفسه، في لحظة حرجة من تاريخه، يتعمد من خلال برنامج الجنازة وترتيباتها إعلان ثوابته، وتأكيد هويته، وتبيان مصدر خصوبته ومنابع ثباته.

الجنازة بوصفها إعلاناً عن صلابة النظام

كان حدث الجنازة مزدوج الدلالة والإشارات. يتضمن، من جهة، رسالة قوة إلى الخارج بصلابة النظام وتماسكه، وتضخيم الزخم الشعبي الذي يتمتع به، أي رسالة تؤكد أن النظام يملك مقومات البقاء والاستمرار مهما تعاظمت عليه الضغوط الدولية، والحصار الاقتصادي، والحروب القاسية، والشدائد الداخلية.

ويتضمن، من جهة أخرى، إعادة إنتاج الأساس الأيديولوجي والإطار الفكري والمرتكز القيمي الذي يقوم عليه النظام الإيراني، من خلال إدراج أبرز مراقد أئمة الشيعة، الإمام علي، والإمام الحسين، والإمام علي الرضا، ضمن طقوس التشييع وسير الجنازة، ومن خلال الخطاب التصعيدي الذي واكب التشييع، بالأخص خطاب مجتبى خامنئي، الولي الفقيه المفترض لمرحلة ما بعد والده، الذي اتسم بخطاب ثأري وتصعيدي وصلابة في المواجهة حتى الرمق الأخير، مستنداً في خطابه إلى تأويلات دينية نبوئية تقسم العالم بين معسكر حق ومعسكر باطل، وتحصر حركة التاريخ بصراع لا يتوقف بين قوى الخير وقوى الشر، فسطاطَي الإيمان والكفر. هو صراع ملحمي لا مصالحة فيه ولا تسويات، ومستمر باستمرار الزمن، وينتهي بتدخل غيبي مباشر عبر قيادة استثنائية مصطفاة من الله تعلن نهاية التاريخ بعد حسم الصراع لصالح الخير.

كان حدث الجنازة مزدوج الدلالة والإشارات يتضمن رسالة قوة إلى الخارج بصلابة النظام وتماسكه، وتضخيم الزخم الشعبي الذي يتمتع به، أي رسالة تؤكد أن النظام يملك مقومات البقاء

استمرارية الرؤية التأسيسية للثورة

لم تكن مشهدية الجنازة مجرد رفع للمعنويات المرتبكة، أو استعراض قوة في مواجهة قوة التدمير الهائلة للولايات المتحدة، وإنما تعبير تاريخي، في لحظة مصيرية حرجة ودقيقة، عن رؤية كونية يتشبث بها النظام الإيراني ويتمسك بها حتى الرمق الأخير، تحدد للنظام وجهته وخياراته وطريقة تعامله مع الأحداث والوقائع.

هذه الرؤية ليست جديدة، بل هي استمرارية للحظة التأسيسية التي نعت فيها الخميني الولايات المتحدة الأميركية بأنها “الشيطان الأكبر”، ولحظة الإعلان الشهير لهوية النظام الإيراني الجديد بأنها “لا شرقية ولا غربية، ولكن جمهورية إسلامية”. وهي تسمية وإعلان يشملان منظومات العالم الكبرى، وكل سردية لا تتطابق مع النسخة الفارسية للتشيع الإمامي، ويصنفانها في خانة الباطل والشر.

البيعة للنهج لا للشخص

هذا يدل على أن جنازة خامنئي كانت مشهد بيعة كاملة لنهج مؤسس الثورة الإسلامية وثوابتها لحظة إطلاقها، وتكثيفاً غير مسبوق للمكون الديني باستحضار رموزه، واستدعاء سرديات نهاية الزمان، والتعالي بسياسات النظام عبر إسباغ ألقاب التقديس على قيادته، والعصمة على أدائه.

كل ذلك للإيحاء بأن الحق يدور في فلك النظام كيفما دار، في سياق التعويض عن، أو التقليل من أهمية، ضعف الحيلة العسكرية والفشل الاقتصادي، وتسويغ كل أنواع الاستبداد السياسي والقمع البوليسي.

ذهنية القيادة الجديدة ورؤيتها للعالم

كانت جنازة خامنئي، في ظاهرها، مشهد حداد وحزن على غياب قائد وزعيم، لكنها كانت، في حقيقتها، حدثاً سياسياً بامتياز، لما تحمله في إيقاعها وخطابها ومشهديتها من رسائل ومضامين لا تتصل بتأكيد هوية وانتماء ورؤية فحسب، وإنما تحدد وجهة، وتكشف عن ذهنية قيادة النظام الجديدة في النظرة إلى العالم، وطريقة إدارته لمعركته ضد أعدائه وخصومه، وحتى في التعامل مع حلفائه.

جنازة خامنئي كانت مشهد بيعة كاملة لنهج مؤسس الثورة الإسلامية وثوابتها لحظة إطلاقها، وتكثيفاً غير مسبوق للمكون الديني باستحضار رموزه، واستدعاء سرديات نهاية الزمان،

وجهة تقفز فوق الاعتبارات الموضوعية والشروط المنطقية لمعادلة الربح والخسارة، أو النجاح والفشل، وتراهن، بنحو مشدد ويقين، على تأييدات الغيب ووعوده بالربح والنصر والغلبة.

وجهة لن تتصالح مع العالم مهما طال الزمن، بقدر مسعاها إلى تغييره وتحويله على شاكلتها.

وجهة لا تفهم العزلة والحصار دافعاً لتغيير سياسة، أو تطوير أداء، أو أمارةً على إخفاق، بقدر ما تراها اختباراً ربانياً على الصبر والتحمل والمقاومة.

وجهة لا يمكنها تصور العالم قائماً على التناغم والتعايش، أو التسويات والتنازلات المتبادلة، أو الاستمرار والاستقرار من دون: رابح أو خاسر، منتصر أو منهزم، غالب أو مغلوب.

بقدر ما ترى هذه الوجهة العالم متصدعاً ومنقسماً على نفسه، ومتقوماً بثنائيات متناقضة لا تلتئم، وفي حالة صراع وجودي بينها لا تنتهي إلا بإعدام الطرف للطرف الآخر، وصيرورة الكون متكاثرة في مكوناتها، تكاثر التناسخ والتكرار لا تكاثر الإبداع والاختلاف.

مواجهة بين فائض القوة وفائض القداسة

يلوذ ترامب بفائض القوة المادية لإملاء شروط دولته على إيران، ويلوذ وليّ النظام الإيراني بفائض القداسة والتأييد الرباني للخروج من محنته، وربما لحسم المعركة لصالحه.

مواجهة بين منطقين يختلفان في المضمون، لكنهما يتطابقان في ذهنية التعامل مع الأغيار بالغلبة والقهر. مواجهة لن يُغيِّر اسم المنتصر فيها مأساة العالم، ولن يخفف من معاناته.

السابق
خشية «الإحراج» في البيت الأبيض.. القصة الكاملة لإلغاء رحلة نتنياهو إلى واشنطن
التالي
مأزق البقاء بعد خامنئي: لماذا يرتعد النظام الإيراني من المقاومة المنظمة؟