بينما تُكمل احتجاجات إيران أسابيعها تحت تعتيمٍ اتصالي خانق، دفعت السلطات اليوم بمشهدٍ مضادّ في الشارع، عبر مسيراتٍ موالية للنظام في طهران ومدنٍ أخرى، ترافقت مع تصعيدٍ سياسي ورسائل ردعٍ أمنية، في وقتٍ لوّح فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بخيارات «قوية جدًا» ضد طهران، وسط حديثٍ عن قنوات تواصل ما زالت مفتوحة بين الجانبين.
واليوم الإثنين كشفت «منظمة حقوق الإنسان في إيران» إن عدد قتلى الاحتجاجات بنيران القوات الأمنية الإيرانية بلغ إن 648 بينهم 9 أطفال مع آلاف الجرحى.
ميدان اليوم: الاحتجاج المضاد
في ميدان «انقلاب» (ميدان الثورة) وسط طهران، تصدّر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف التجمع الأبرز، وقال إن «الشعب الإيراني يقف بقوة»، معتبرًا أن البلاد «تقاتل في أربع جبهات: الحرب الاقتصادية، والحرب النفسية، والحرب العسكرية الأميركية–الإسرائيلية، واليوم حرب الإرهاب».
ووجه قاليباف تهديدا لترامب، على طريقة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، قائلا: «سمعنا أنك هدّدت إيران، مدافعو إيران سيلقّنونك درساً لا يُنسى»، مضيفًا: ««تعالَ لترى كيف ستُدمَّر كل إمكاناتكم في المنطقة (..) سنؤدّب الحكّام الظالمين (..) ترامب الواهم، لا تُصدّق الأكاذيب التي يقولونها لك».
وبحسب المقاطع التي بثّتها وسائل إعلام رسمية وشبه رسمية، شارك الرئيس مسعود بزشكيان في التجمع، كما ظهر وزير الخارجية عباس عراقجي في المسيرة نفسها داعيًا الناس إلى «البقاء بقوة في الساحة».
وفي الوقت نفسه، سُجِّلت مسيرات مماثلة في مدن ومراكز محافظات بينها رشت، كرمان، أراك، زاهدان، بيرجند، همدان، إيلام، خرمآباد، كرمانشاه، أرومية وشهركرد، مع بثّ مباشر لصور من هذه التظاهرات عبر قنوات التلفزيون الرسمي.
قبلها، استدعت وزارة الخارجية الإيرانية سفراء الدول التي أعلنت دعمها للتظاهرات (بريطانيا وألمانيا وإيطاليا وفرنسا) وخلال الاجتماع، عرضت الخارجية الإيرانية صوراً قالت إنها تُظهر أعمالاً عنيفة قام بها «مثيرو الشغب»، مؤكدةً أن هذه الأفعال تجاوزت حدود التظاهر السلمي وتُعدّ «تخريباً منظّماً». وطلبت طهران من السفراء نقل هذه الصور مباشرةً إلى وزراء خارجية بلدانهم، وطالبت بسحب التصريحات الرسمية المؤيدة للمحتجين. كما شددت إيران على أن أي دعم سياسي أو إعلامي «غير مقبول» ويُعدّ «تدخلاً واضحاً» في أمنها الداخلي.
قنوات التواصل مع الولايات المتحدة
في المقابل، صعّد ترامب لهجته ليل الأحد، متحدثًا عن «خيارات قوية جدًا» تدرسها واشنطن ردًا على قمع التظاهرات، وقال إن «اجتماعًا يُرتّب» مع الإيرانيين لكن «قد نضطر للتحرك قبل الاجتماع».
وفي طهران، أكد المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي أن «قنوات الاتصال» مع الولايات المتحدة ما زالت مفتوحة، بما في ذلك عبر وسيط سويسرا وخط تواصل مع المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، فيما كرر عراقجي أمام سفراء أجانب أن بلاده «مستعدة للحرب» لكنها «منفتحة على الحوار».
ماذا عن الميدان المعارض؟
ميدانيًا، تبقى صورة الشارع المعارض اليوم أكثر غموضًا من الأيام الماضية بسبب الانقطاع الواسع للإنترنت، الذي دخل يومه الرابع وفق تقديرات متابعة لحركة الشبكات، ما خفّض تدفق الفيديوهات من الداخل.
وفي ساعات النهار، عرضت قنوات رسمية مقاطع لمسيرات مؤيدة للنظام في عدد من المدن، فيما تحدثت وكالة «فارس» عن «اضطرابات محدودة» ليلًا في أحياء بطهران (بينها «سعادت آباد») قالت إنها فُرّقت.
وبين الروايتين، برزت اليوم صورٌ وفيديوهات صادمة من جنوب طهران: مقاطع موثّقة تُظهر تجمّع إيرانيين في مركز الطب الشرعي في «كهريزك»، واقفين فوق صفوف من أكياس جثث داكنة اللون.
وفي ظل التعتيم، تقول وسائل ومعارضون إن جزءًا من المواد البصرية خرج عبر وصلات بديلة (بينها ستارلينك) قبل أن تضيق نافذة الرفع مجددًا.
وفي أعلى الهرم، استمرت رسائل المرشد علي خامنئي في الاتجاه نفسه: ربط ما يجري بـ«التخريب» و«الارتهان للخارج»، قبل أن ينتشر على نطاق واسع منشورٌ له يتضمن صورةً رمزية لترامب بهيئة فرعونية محطّمة مع تلميحٍ إلى «سقوط الطغاة» تاريخيًا.
كم بلغ عدد الضحايا؟
بحسب تقرير محدّث الإثنين لمنظمة حقوق الإنسان في إيران (IHRNGO) إن عدد قتلى الاحتجاجات وصل إلى 648 قتيلاً على الأقل، وتصفهم بأنهم من «المعترضين» الذين قُتلوا خلال موجة القمع، بينهم 9 أطفال، مع آلاف الجرحى، وتؤكد أن هذه الحصيلة موزعة على 14 محافظة.
وتوضح أنها لا تُدرج أي حالة في إحصائها إلا بعد التحقق المباشر أو تثبيتها عبر مصدرين مستقلين، مستندةً إلى معلومات من مستشفيات وأماكن حفظ الجثامين.
وتشير المنظمة إلى أن القفزة الأكبر في عدد الضحايا حصلت منذ الخميس 8 يناير (18 دي)، وأن غالبية القتلى هم دون سن الثلاثين، فيما تقدّر أن الاعتقالات تجاوزت 10 آلاف.
وتقول إن التعتيم شبه الكامل على الإنترنت جعل التحقق أصعب، لكنها استشهدت بمؤشرات ميدانية، بينها مقطع من كهريزك يظهر جثامين 250 شخصاً، وذكرت أن الإعلام الرسمي تحدث عن 121 قتيلاً من عناصر أمن (من دون احتساب طهران وفق ما نقلته عن الإعلام الحكومي).
واليوم الإثنين، وصلت بعض فيديوهات تظاهرات يوم الأحد مساءً، بسبب الانقطاع المستمر للانترنت، وبينها من كركان في شمال البلاد
وأيضا، رصد أحد الفيديوهات تجمّعا في سعادتآباد في العاصمة طهران.
وظهر مقطع كذلك الأمر من مدينة كرج، قالت وسائل إعلام معارضة إنه صُوّر الأحد

