لم يربح اليساريون حربًا مع الإمبريالية الأميركية، ولم يحالفهم حظهم العاثر في قول أو فعل ضد أسوأ دولة في العالم كما يقولون. منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، وفوز الولايات المتحدة بـ«أمركة» العالم، وتلاشي اليسار العربي، وتشظّي مجموعاته وشبكاته السياسية إلى كتل متعددة الانتماءات، ومن ثمّ إلى بقايا متوزعة الأدوار على ذات اليمين وعلى ذات الشمال، تحصينًا منهم لجبهة صمود أمام متغيرات نسفت يساريتهم، وتحصيلًا لمكاسب شخصية نفعية، بعد أن فشلت محاولات النفع العام، من خلال اشتراكية ترمي عدالتها على الجميع، من خلال نظام بوليسي مركزي تمسك الدولة من خلاله بأدوات ووسائل الإنتاج.
من التخلي عن اليسار إلى الارتهان للإسلام السياسي
عبد اليساريون أفكارهم، ومن ثم استعبدتهم أفكار الإسلاميين، بعد عداوة شرسة مع الله، فتوزعوا يتباركون بأعمال الجهاديين، من القاعدة إلى المقاومتين في لبنان وفلسطين. وهذا ما فتح لهم مجالًا للتنفس يساريًا من رئة إسلاموية، وهذا ما جعل من بقايا اليسار العربي جثة متحركة غير هامدة، وناشطة على سطح الإسلام السياسي.
في لبنان، تشتت اليسار واتخذ له مقاعد كثيرة، ما بين المراوحة في زجاجة التجربة الفاشلة داخل إكسسوار سياسي قديم، لم تعد تتوفر له قطع غيار صالحة كي تعيد له عجلة الماضي إلى الحاضر، والقبول الطوعي كأجراء للمخابرات السورية طمعًا بدور أو وظيفة، وهذا ما سهّل للبعض منهم الوصول إلى كرسي النيابة أو الوزارة.
واستحسن بعض اليساريين الدخول إلى جماعة اليمين البرجوازي، استعداءً منهم لتجربة أفقرتهم في كل شيء، وأكملت البقية منهم رحلة النضال المثمر، فبايعوا على الطاعة وعدم المعصية أولي أمر أموالهم، لقاء الاستفادة من ثرثراتهم في المسموع والمقروء.
مادورو… من أسطورة ثورية إلى مشهد الاعتقال
كانت ثرثرتهم الأخيرة تشيد بأميركا اللاتينية، وتحول تجار الممنوعات إلى عمالقة التاريخ الثوري بما يتجاوز ماو وغيفارا، وكادوا أن يجعلوا من مادورو لينين اللاتيني، ومن فنزويلا ثورة بلشفية جديدة، وقالوا: هنا مقبرة أميركا…
بعد أن اقتيد الرئيس الفنزويلي مخفورًا إلى ترامب على شاكلة نورييغا، دخل المثرثرون في ثرثرة جديدة، يندبون فيها معتقلي أميركا اللاتينية، مهد الحريات في العالم، ويشيرون بأحذيتهم ذات الماركات الأجنبية إلى خارطة دولية تحكمها أميركا بجزمة عسكرية.
لم يتعظ أحد من الدروس الأميركية، لا اليسار العربي بشقّيه الشيوعي والقومي، رغم خساراته الفادحة أمام أميركا، ولا الإسلاميون استفادوا من التجارب المرة لأفكار وتيارات سادت في العالم العربي قبل بعثهم من قبور التاريخ.
الدور على من؟
بعد الأسد الهارب، سيق مادورو إلى السجن الأميركي، وثمّة من ينتظر دوره في لعبة هدم أحجار محور المال، الذي وفّر للحروب احتياجاتها…
ثمّة صرخات شبيهة بصرخة مادورو المأسور، وهي تُهدد وتندد بأميركا.
حبذا لو تصدق نبوءة المعتوهين مرة واحدة!

