تخيّل دولة مفلسة، عملتها تحوّلت إلى نكتة سوداء، مصارفها أكلت ودائع الناس، شبابها هاجروا أو ينتظرون دورهم، ثم يُقال لها بوجهٍ جاد: (لا تقلقوا… هذا ثمن الصمود).
هنا يصبح السؤال وقحًا لكنه ضروري، صمود مَن؟ وعلى حساب مَن؟ والأهم، لماذا لا أحد يرسل الفاتورة؟
لبنان لم ينهَر فجأة، ولم يسقط من فوق سلّم، لبنان أُنهك تدريجيًا، كمن يُطلب منه أن يتحمّل أكثر مما يحتمل، باسم معارك لا يختارها، ورسائل لا يكتبها، ومحاور لا يملك حق الخروج منها.
من حرب 2006 إلى العدّاد المفتوح
ومنذ عام 2006 بدأت آلة العدّ بالعمل، حرب واحدة كلّفت الاقتصاد اللبناني أكثر من أربعين مليار دولار بين دمار مباشر، شلل اقتصادي، وسنوات ضائعة من النمو.
ثم لم يتوقف العداد، اغتيالات، اشتباكات، توترات، حدود مشتعلة عند الطلب، دائمًا عند الطلب.
النتيجة الرقمية باردة وقاسية، بين 2011 و2023 خسر لبنان أكثر من ستين في المئة من ناتجه المحلي، هذا ليس رأيًا سياسيًا ولا شتيمة أيديولوجية، بل رقم يُدرَّس في كوارث الاقتصاد.
بلد خرج عمليًا من الدورة الطبيعية للنمو، وصُنّف كبيئة طاردة لكل ما له علاقة بالاستثمار، العملة الصعبة، والمستقبل.
ماذا جنى لبنان من «محور الممانعة»؟
في المقابل، ماذا حصد لبنان اقتصاديًا من محور الممانعة؟
لا مصانع، لا نقل تكنولوجيا، لا أسواق، لا صادرات، فقط بلد موضوع تحت مجهر العقوبات، اقتصاد كاش، وشبكات موازية لا تدخل في الميزانية ولا تُحاسَب.
مئات ملايين الدولارات التي ضُخت سنويًا من إيران لم تُسجَّل يومًا كإيراد للدولة، ولم تُسهم في تخفيض دين، ولم تبنِ مستشفى عامًا ولا جامعة وطنية.
كانت ببساطة استثمارًا في وظيفة واحدة، وهي إبقاء لبنان منصة متقدمة في صراع إقليمي طويل، مهما كانت الكلفة.
الانهيار الكبير: الكوميديا التراجيدية
ثم جاء المشهد الكوميدي التراجيدي الكبير (الانهيار المالي)، أكثر من سبعين مليار دولار من ودائع اللبنانيين تبخّرت.
نظام مصرفي سقط كبيت كرتون، عملة فقدت أكثر من تسعين في المئة من قيمتها. ومع ذلك، طُلب من الناس ألا يربطوا بين الانهيار وكون لبنان دولة بلا قرار سيادي اقتصادي، مربوطة بمحور يخوض نزاعات مفتوحة، ومصنّفة عالميًا كبلد عالي المخاطر، كأن المال يهرب لأنه (جبان) لا لأنه ذكي.
مئات ملايين الدولارات التي ضُخت سنويًا من إيران لم تُسجَّل يومًا كإيراد للدولة، ولم تُسهم في تخفيض دين، ولم تبنِ مستشفى عامًا ولا جامعة وطنية
الكلفة الاجتماعية والنفسية: الصمت الإجباري
لكن إذا كانت الأرقام المالية فاضحة، فالكلفة النفسية والاجتماعية أكثر إحراجًا، خصوصًا داخل البيئة الشيعية نفسها، التي يُطلب منها دائمًا أن تكون خزّان الصبر والدم والسكوت.
هذه البيئة التي وُعدت بالحماية والكرامة، وجدت نفسها بعد سنوات داخل اقتصاد مغلق، فرصه محدودة، وأفقه مسدود. شباب بين الهجرة أو الالتحاق بمنظومة لا تسمح بالاختيار.
طبقة وسطى ذابت، قلق مزمن يُدار بخطاب تعبوي، انتصار دائم على الشاشات، وعجز دائم في الحياة اليومية.
محور «يحمي لبنان» أم نظام استنزاف؟
السخرية هنا قاتلة، محور يقول إنه (يحمي لبنان) بينما لبنان يفقد كل مقومات الدولة.
محور يتحدث عن الكرامة، بينما المواطن يعيش على المساعدات.
محور يتباهى بالصمود، بينما المجتمع مرهق، متعب، خائف من طرح أي سؤال لأن السؤال نفسه صار جريمة.
هذه ليست مقاومة، هذا نظام استنزاف طويل الأمد.
المشهد الذي يُرعب الجميع: الحساب
الآن، لنتخيّل المشهد الذي يُرعب الجميع، وزارة المالية اللبنانية تفتح ملفًا، لا خطاب، لا عواطف، فقط حساب.
كلفة الحروب، كلفة تعطيل النمو، كلفة العقوبات، كلفة هروب الاستثمارات، كلفة تدمير السياحة والزراعة والتجارة، كلفة الهجرة، كلفة الصحة النفسية، كلفة البطالة.
عند جمع هذه البنود وفق المعايير الدولية، يصل الرقم بسهولة إلى خمسين أو ستين مليار دولار، وربما أكثر، ليس لأن الرقم مبالغ فيه، بل لأن الخراب كان سخياً جدًا.
محور يتباهى بالصمود، بينما المجتمع مرهق، متعب، خائف من طرح أي سؤال لأن السؤال نفسه صار جريمة.
المحاسبة بدل القداسة
هذه الخطوة، حتى لو بقيت نظرية، تفعل ما لا تفعله الصواريخ، لأنها تنزع القداسة عن الخسارة، وتقول ببساطة: من يقرّر الحرب يجب أن يدفع ثمنها، ومن يربط دولة بمحور خارجي يتحمّل كلفة الربط، ومن يحوّل مجتمعًا كاملًا إلى خط دفاع متقدّم لا يملك حق الادّعاء بأن الفاتورة شأنٌ ثانوي.
الضربة الحقيقية لمحور إيران ليست عسكرية، بل محاسبية، ليست في الصواريخ، بل في الجداول، ليست في الخطب، بل في سؤال واحد بسيط، سام، ومميت:
من دفع؟ من ربح؟ ومن ما زال يُطلب منه أن يدفع أكثر؟
عند هذا السؤال، يبدأ الاهتزاز الحقيقي، لأن كل مشروع أيديولوجي بُني على أن الخسائر دائمًا يدفعها الآخرون، ينهار لحظة يُجبر على مواجهة الأرقام.
لبنان، لو أراد، يستطيع أن يتوقف عن التصفيق ويبدأ العدّ، وربما للمرة الأولى، لا يكون السؤال كيف نصمد أكثر، بل لماذا دفعنا كل هذا، ولصالح مَن؟ ولماذا لم نرسل الفاتورة بعد؟!

