أفادت مصادر مطلعة لموقع جنوبية أن ما جرى تداوله في الفترة الماضية عن تدخلات خارجية في ملف رئاسة الحكومة لا يستند إلى معطيات دقيقة. غير أن الوقائع تشير، في المقابل، إلى حصول تدخلات في ملفات دينية وإدارية داخل الدولة، على أن تتكشف تباعًا معطيات وملفات إضافية في هذا الإطار. وتؤكد المصادر وجود قلق متزايد لدى شخصيات وتيارات سياسية لا سيما تيار المستقبل، اذ ان الشيخ خلدون عريمط المقرّب من التيار يواجه ازمة كبيرة بعد ان انفجرت بوجهه جملة من اشاعات ومعلومات تتعلق بفضيحة “احتيال سياسي مالي”، يمكن ان تخلّف تداعيات سياسية ومعنوية سلبية بشكل كبير.
في حين ان مصادر مستقلة شمالية اكتفت بالتصريح لموقع جنوبية، ان قنوات تواصل غير مباشرة جرى اعتمادها في مرحلة سابقة مع جهات خارجية، قبل أن يتبين لاحقًا عدم موثوقيتها، الأمر الذي أدى إلى إعادة خلط الأوراق سياسيًا وانتخابيًا، وفتح الباب أمام ارتباك واسع في الحسابات والتحالفات، لا سيما داخل “المستقبل” البيئة السنية.
الحريري وتيار المستقبل: ضغوط الحل والانكفاء
تشير المعلومات إلى وجود ضغوط تمارس على الرئيس سعد الحريري، تتجاوز حدود النصيحة السياسية، لتصل إلى مطالب صريحة تقضي بـ«حل تيار المستقبل» كليًا، وإقفال المنزل السياسي، وإنهاء أي نشاط سياسي في المرحلة المقبلة. ويعكس هذا الواقع صعوبة عودة المملكة العربية السعودية إلى دعمه أو تبنّيه سياسيًا، في ظل قناعة متنامية بأن الاستثمار السياسي بشخصه أو بتيار المستقبل لم يعد مطروحًا، باعتبار أن التيار يتمحور بالكامل حول شخص سعد الحريري.
وفي هذا السياق، يُسجَّل أن السفير السعودي هو من زار الجنوب أخيرًا ويتمتع بتأثير مباشر على الشارع السني، من دون أن ترافقه أي شخصية سنية وازنة، في مؤشر إضافي على التحوّل في مقاربة المملكة للتمثيل السني في لبنان.
عكّار كنموذج: البحث عن بدائل سنية خارج الاصطفافات التقليدية
في دائرة عكّار، تكشف المعطيات عن اعتماد استراتيجية محددة في اختيار الشخصيات المخوّلة الترشح للانتخابات النيابية، تقوم على أن تكون هذه الشخصيات مستقلة عن أي ارتباط مباشر بالمملكة العربية السعودية. ويأتي ذلك نتيجة تجارب سابقة، حيث إن شخصيات سنية فازت بدعم أصوات تيار المستقبل التزمت لاحقًا بما تريده المملكة أكثر مما التزمت بخيارات التيار نفسه.
وبناءً عليه، يجري البحث عن شخصيات سياسية سنية جديدة تمتلك قدرة على الحركة والمبادرة، ومن بينها شخصيات مقيمة في أستراليا أو في دولة الإمارات العربية المتحدة، بعيدًا عن الاصطفافات الخليجية التقليدية.
انعدام الثقة بالنواب الحاليين وصراع الأسماء البديلة
تفيد المعلومات بأن تيار المستقبل توصل إلى قناعة واضحة بأن نواب عكّار من الطائفة السنية ليسوا موضع ثقة، وأن المطلوب في المرحلة المقبلة هو شخصيات سياسية ذات حضور وفاعلية، من دون أي ارتباطات أو مصالح اقتصادية في دول الخليج العربي. وتُعد الخلافات المتصاعدة بين التيار والنائب وليد البعريني نموذجًا صارخًا لهذا التوتر، إذ وصلت الخلافات إلى مستويات غير مسبوقة.
في هذا الإطار، يبرز اسم سرحان بركات، وهو متمول لبناني جمع ثرواته في أستراليا، وتشير المعلومات إلى أنه التقى بسعد الحريري في دولة الإمارات العربية المتحدة. وقد دخل بركات المشهد السياسي في عكّار عبر تنفيذ مشاريع إنمائية بمئات آلاف الدولارات، مستفيدًا من معرفته بأن ماكينة تيار المستقبل لا تزال من الأقوى تنظيمًا على الأرض. وتشير التقديرات إلى أن ترشحه قد يحوّل مقعده إلى منافس مباشر لمقعد وليد البعريني، بما يفتح الباب أمام إقصاء أحد الطرفين.
ارتباك التحالفات وتبدّل الاستراتيجيات
في ضوء التطورات الأخيرة، وصل إلى مسامع سرحان بركات أن تيار المستقبل قد يمتنع عن خوض الانتخابات النيابية، الأمر الذي دفعه إلى تعديل استراتيجيته والبحث عن غطاء سياسي بديل من دولة عربية، حيث التقى أحد السفراء العرب مؤخرًا. وقد ساهم ذلك في تعميق حالة الإرباك، بعدما سقطت فرضيات كانت قد بُنيت عليها حسابات انتخابية سابقة.
أما الشخصية الثانية المرشحة فهي أحمد حدارة، القادم من أستراليا، وهو مستقل ولا ترتبط مصالحه بشكل مباشر بأي دولة عربية، ما يمنحه هامش حركة أوسع ونقاط قوة إضافية. وقد بدأ حدارة بضخ مبالغ مالية كبيرة قبيل الانتخابات، في وقت يسعى فيه تيار المستقبل إلى تقديم دعم غير مباشر له. أما الشخصية الثالثة فهي من آل عثمان، وتُطرح كبديل عن النائب محمد سليمان. وكانت هذه الشخصيات قد نسّقت سابقًا مع تيار المستقبل، إلا أن التطورات الأخيرة أعادت خلط الأوراق وأعادت المشهد إلى نقطة الصفر.
الأرقام تكشف هشاشة التمثيل
واظهرت نتائج الأصوات التفضيلية في انتخابات عام 2022 في دائرة عكّار (الشمال الأولى) تباينًا حادًا في حجم التمثيل الشعبي بين النواب الفائزين بحسب المقاعد الطائفية. فقد تصدّر محمد يحيى يحيى، الفائز عن المقعد السني على لائحة «عكّار أولًا»، النتائج بـ15142 صوتًا تفضيليًا، يليه محمد سليمان، الفائز عن المقعد السني على لائحة «الاعتدال الوطني»، بـ11340 صوتًا، ثم وليد البعريني بـ11099 صوتًا.
وعلى مستوى المقاعد المسيحية، نال جيمي جورج جابور، الفائز عن المقعد الماروني على لائحة «عكّار أولًا»، 8986 صوتًا، فيما حصل أسعد رمزي درغام، الفائز عن المقعد الأرثوذكسي على اللائحة نفسها، على 5754 صوتًا. في المقابل، فاز صاغي عطية عن المقعد الأرثوذكسي على لائحة «الاعتدال الوطني» بـ1948 صوتًا فقط، بينما فاز أحمد رستم عن المقعد العلوي على اللائحة ذاتها رغم حصوله على 324 صوتًا لا غير، ما يفتح باب الأسئلة حول عدالة التمثيل وفعالية النظام الانتخابي القائم.

