بين قصر بعبدا وطرقات الاعتصام، وبين طاولات التفاوض الدبلوماسي وسماء الجنوب الملتهبة، عاش لبنان يوماً سياسياً وأمنياً بالغ الحساسية، تداخلت فيه معركة الودائع مع اشتداد التوتر العسكري، لتتكشف مجدداً هشاشة الاستقرار الداخلي أمام أزمات متراكمة لم تجد بعد طريقها إلى الحل.
قانون مصيري تحت مجهر الاعتراض
تصدّر مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، أو ما بات يُعرف بـ«قانون الفجوة المالية»، جدول أعمال مجلس الوزراء في جلسة عُقدت في قصر بعبدا بحضور حاكم مصرف لبنان. قانون وصفه وزير الاتصالات شارل الحاج بأنه «من أخطر وأهم القوانين منذ إنشاء دولة لبنان الكبير»، لما له من تداعيات مباشرة على مصير ودائع اللبنانيين والنظام المالي برمّته.
الانقسام كان واضحاً داخل الحكومة نفسها. فبينما اعتبرت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد أن المشروع يعبّر عن «عدالة اجتماعية مطلوبة للمودعين»، تسرّبت معلومات عن نية عدد من الوزراء، بينهم فايز رسامني ونزار هاني، اقتراح تعديلات جوهرية ورفض التصويت على الصيغة المطروحة. في المقابل، نُقل عن رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون موقف حازم بعدم القبول بأي قانون يمسّ حقوق المودعين، مع ترجيح إحالة الملف إلى لجنة وزارية لمزيد من النقاش.
الشارع يتحرّك: «ودائعنا حق لا تسوية»
على وقع النقاش الحكومي، تجمّع المودعون على طريق القصر الجمهوري، رافعين لافتات تؤكد حقهم الكامل في استرداد أموالهم. الاعتصام عكس حالة غضب متصاعدة من أي مقاربة تُحمّل المودعين كلفة الانهيار، أو تفتح الباب أمام ال«هيركات» المقنّع تحت عناوين الإصلاح.
في السياق نفسه، بحث وزير المال ياسين جابر مع السفير الأميركي ميشال عيسى في مشروع القانون وانعكاساته الاقتصادية، في إشارة إلى البعد الدولي الحاضر بقوة في مسار المعالجة المالية اللبنانية.
القوات اللبنانية: تحديد المسؤوليات أولاً
سياسياً، جدّد النائب فادي كرم موقف «القوات اللبنانية» الرافض لأي حل لا يبدأ بتحديد المسؤوليات. وأكد أن أموال اللبنانيين «لم تُستثمر وخسرت، بل هُدرت وسُرقت»، مشدداً على أن تحميل المودعين أي جزء من الخسائر مرفوض بالكامل. ودعا إلى استكمال التدقيق الجنائي باعتباره المدخل الوحيد لأي حل عادل، كاشفاً عن تنسيق سياسي داخل الحكومة لمواجهة المشروع بصيغته الحالية.
تعيينات وإشارات تعافٍ… رغم الجراح
بموازاة السجال المالي، أقرّ مجلس الوزراء تعيينات جديدة في مؤسسة «إيدال»، فيما وقّع رئيس مجلس النواب نبيه بري 14 قانوناً أُقرت في جلسات سابقة. وفي موقف لافت، تحدث الرئيس عون أمام وفد اقتصادي خليجي عن «استعادة لبنان لعافيته تدريجياً»، رغم «الجرح النازف في الجنوب»، داعياً إلى تعزيز الثقة الخليجية بالاقتصاد اللبناني.
الجنوب تحت النار والسياسة في اختبار
لكن هذه المؤشرات الإيجابية اصطدمت بواقع أمني قاتم. فقد استهدفت مسيّرة إسرائيلية سيارة في محيط صيدا، ما أدى إلى سقوط ثلاثة شهداء، وفق ما أفادت «الوطنية للإعلام» وقناة «المنار». جيش الاحتلال أعلن استهداف «عناصر من حزب الله»، في تصعيد يعيد الجنوب إلى واجهة الخطر.
بين قانون يهدد السلم الاجتماعي وغارات تهدد الاستقرار الأمني، يقف لبنان أمام اختبار مزدوج: هل تنجح السلطة في إنتاج حل مالي عادل، أم تتوسع الفجوة لتطال ما تبقى من ثقة وهدوء؟ الأيام المقبلة وحدها تحمل الجواب.

