لو افترضنا إمكانية أخذ صورة مفصّلة أو شريط فيديو يبيّنان الواقع السياسي اللبناني، والعلاقات الاجتماعية والسياسية، وآليات تقديم الخدمات والمنافع، وسبل تفكيك قوى السلطة وإعادة تكوينها، وآليات كسب الثروة والملكيات وإعادة توزيعها، لو فرضنا إمكانية رصد هذه الشبكة من الحقائق المتحرّكة التي تصف الواقع بكل أبعاده في زمنين؛ المرة الأولى في سنة ١٩٢٦ في اللجنة البرلمانية التي وضعت أول دستور لدولة لبنان الكبير، أمّا الزمن الثاني فهو الحاضر الراهن في نهاية سنة ٢٠٢٥، أي بعد مائة عام تقريبًا من الزمن الأول.
لو كان ذلك متاحًا، وهو عمليًا متاح بالإدراك والمتابعة من خلال البحث الاجتماعي والتاريخي والاقتصادي، ورغم صعوبة تحويل البحث إلى شريطي صور يبسطان المقارنة، فإنه بناءً على إدراك الواقع في زمنين، يمكن رصد بدايات تأسيسية أعقبتها تحولات في ثلاثة مسارات مترابطة.
أولًا: طائفية البدايات الوطنية (1926)
إن اعتماد الطائفية سنة ١٩٢٦ كان نوعًا من تدبير حُسن رضائي أُعطي إلى المسلمين بكل مذاهبهم، سنّة وشيعة ودروز، حدًّا أدنى من الكوتا في وظائف الدولة، في وقت كانت الطائفة المسيحية بكل مذاهبها تتمتع أولًا بتفوّق ديموغرافي عددي، وقد جرى التعبير عن هذا التفوّق في إحصاء ١٩٣٢، وهو إحصاء ظلّ يتيمًا حتى اليوم، لإخفاء أو إنكار حجم التبدّلات التي حدثت على تركيبة السكان الطائفية خلال مائة سنة.
كما كانت الطائفة المسيحية تتمتع ثانيًا بعلاقة سياسية تفضيلية مع سلطة الانتداب الفرنسي، ونعمت شخصيات من الطائفة الكاثوليكية ثالثًا بوكالات تجارية ومزايا اقتصادية مكّنتها من إدارة مصالح تجارية هامة. كما لعبت الرهبانيات اللبنانية، كما البعثات التبشيرية المسيحية، رابعًا دورًا هامًا في مجالات الثقافة والتربية والتعليم والانفتاح على العصر والحداثة الغربية.
وعلى الرغم من أن الغالبية المسيحية كانت من الطائفة المارونية عددًا، إلا أن حياة المدن كانت مجالات نشاط لأبناء الطوائف السنية والروم الأرثوذكس، أمّا غالبية وازنة من طائفتي الموارنة والشيعة، فقد كانوا أبناء ريف، ومُلّاك أراضٍ زراعية، وفلاحين، وقاطفي مواسم زراعية، وتجار مواشٍ، ومارسوا حياة ريفية على اتصال ضعيف وهشّ بحياة المدن الرئيسية في بيروت وطرابلس والنبطية وزحلة.
وكان لافتًا تمكّن عائلات مسيحية كبرى من حيازة آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية في منطقتي سهلي البقاع وعكار كافة.
في تلك اللحظة طالب صبحي سعيد سليمان، النائب عن بعلبك الهرمل وعضو صياغة أول دستور لبناني سنة ١٩٢٦، بأن يكون اعتماد التوزيع الطائفي للمناصب العامة والوظائف اعتمادًا دائمًا وليس مؤقتًا، لكن أول صيغة للمادة ٩٥ من الدستور صدرت باعتماد التوزيع الطائفي للمناصب بشكل مؤقت.
الطائفية يوم اعتمدت لم تكن نظام تقاسم تنافسي وموضع تنازع وانقسام أهلي، بل كانت حرصًا متبادلًا على تشاركية تبادلية وحضور جامع لا إقصاء فيه.
ثانيًا: المسار الأول – سحق فردانية الفرد داخل الجماعة
على مدى مائة عام تم تحويل الطوائف من جماعات دينية تجمعها عقائد إيمانية ومعتقدات وطقوس روحية، إلى تشكيلات سياسية منظّمة، تمتلك وتدير مؤسسات تقدّم خدمات تربوية وثقافية وصحية واستشفائية، وتتولّى وظائف خدمات عامة بديلًا للدولة وعلى حسابها.
كما تحتكر بتشكيلاتها تمرير أية تقديمات من الدولة لأفراد من جماعاتها، وجرى تعبئة هذه الجماعات بأفكار سياسية تنازع أفكارًا سياسية مقابلة، ثم تطوّر الأمر إلى تحميل هذه الانقسامات السياسية حمولات ثقافية وهوياتية، تُبرز فوارق بنمط العيش والعادات والفنون والتراث والمناسبات الاجتماعية والسلوك الإنساني.
الطائفية يوم اعتمدت لم تكن نظام تقاسم تنافسي وموضع تنازع وانقسام أهلي، بل كانت حرصًا متبادلًا على تشاركية تبادلية وحضور جامع لا إقصاء فيه.
وعلى وقع هذا التحوّل الذي انتقل من الانتماء الإيماني إلى التخندق السياسي، إلى التماهي الثقافي، ثم الانتظام في حزب الطائفة وزعيمها، ومع تنامي وتوسّع شبكة المنافع والخدمات والامتيازات التي لا تصل الفرد إلا عبر زعيم حزب طائفته، فيما ينقطع حبل الخدمات التي تقدّمها دولته وامتيازاتها، وتحجب عنه حقوقه الأساسية يوم الخروج من الانضواء في شبكة منافع زعيمه، ضمر حيّز الفرد تجاه الجماعة.
فبدل أن يترقّى اللبناني إلى درجة مواطن له حقوق وخدمات يأخذها ويطالب بها دون منّة من أحد، تم إنتاج لبناني تابع في رعيّة، منتسب إلى قطيع بأحاسيسه ومصالحه وسلوكه، مذعور خائف حين يشعر بفردانيته، يبحث عن حماية لدى زعيم، أو أمان لدى جماعة، أو استعلاء وسطوة لدى قوي أو صاحب سطوة.
ثالثًا: من الطائفية إلى صراع الهويات وتقويض الدولة
أما المسار الثاني لتفاقم الطائفية واستشراء مفاعيلها وتوسّع أبعادها، فقد طال بنية الدولة وإدارتها وأجهزتها الأمنية ومنظومتها القضائية، إضافة إلى تقويض الحياة السياسية ومضامين وقواعد اللعبة الديموقراطية.
وعلى الرغم من أن الطائفية كانت سائدة ومتحققة في ستينات القرن الماضي مع عهد كميل شمعون و تاليا مع العهدين الشهابيين لفؤاد شهاب وشارل الحلو، إلاّ أن ذلك القدر من الطائفية كان مضبوطا بمعايير آمرة سمحت بإقامة إدارة فاعلة، وأجهزة أمنية ناشطة، وأجهزة رقابة ومحاسبة منظمة، ونظاما قضائيا مقبول الفاعلية والأداء، لكن مع انفلات المحاصصة الطائفية الحزبية السافرة، بقيادة الاستاذ نبيه بري، ( ع السكين يا بطيخ) اثناء الوصاية السورية وبرعايتها، والتجربة البائسة لاستيعاب الميليشيات داخل ادارات الدولة.
لقد وصلت عملية توزيع المناصب والوظائف بين زعماء احزاب الطوائف الى طور انهيار كل معيار، واتخذت مسارا منفلتا من كل قيد، واصبحت الوظائف والمناصب تُسنَدُ جهارا نهارا لمن يدفع ثمنها مالاً او ولاءَ او تزلفاَ، وقد ادى ذلك الى تفكيك هرمية الدولة، وإعطاب إنتظام الإمرة في بنيانها، فاصبحت الإدارة العامة مفككة، عاجزة، وغير منتجة، نتيجة التدخل السياسي، وتعاظم حجمها، مع ازدياد شهية احزاب الطوائف لتوسيع قواعدها واستتباع انصارٍ جدد، فاصبحت الادارة العامة كبيرة الحجم عالية التكلفة، تمارس الرشوة والفساد بشكل شبه علني، وتحمي وتوسع الزبائنية السياسية وصرف النفوذ ومحاباة الاقرباء، وترسي شبكات شبه علنية من تشكيلات وشركات للاثراء غير المشروع من السلطة، فتمت استباحة المال العام وموارد الدولة واملاكها، وفتحت التزامات الدولة ومشاريعها ومرافقها العامة وخدماتها لشركات تعمل كواجهات تمويه وتستر على النافذين في السلطة والسياسة…
مع هذا الطور من تفاقم بنيان السلطة، واستتباب نظام المحاصصة بين نادي ضيق من الزعامات، لا يتعدى عددهم عدد اصابع اليدين، افرغت الحياة السياسية من بديهياتها الديموقراطية، ووضع الدستور جانبا وانتهكت قواعد النظام الديموقراطي البرلماني، وتقوَّضَت موازين العدالة واستبيح القضاء مستتبعا من زعماء المحاصصة، ووقع وطن الارز في قبضة سلطة محاصصة تعتبر دولته بقرةً حلوباً .
رابعًا: سيادة نمط الأحزاب الطائفية في الاجتماع السياسي
أما المسار الثالث في تطور البنية الطائفية في المجال السياسي، فقد أدّت الأحزاب الطائفية وظيفة مزدوجة، إذ تحولت إلى بنى اجتماعية – هوياتية مغلقة، تؤدي أدوارًا متكاملة في تأبيد نظام التشغيل السياسي وإعادة إنتاجه.
وبفعل هذا التماسك الغريزي، صمدت الأحزاب الطائفية ضد التفكك والانقسام الداخلي، وجرى دائمًا إعادة شحن العصبية الطائفية عبر خطاب المظلومية أو التهديد الوجودي.
أما الدور الثاني، والأكثر خطورة، فيتمثل في تحوّل هذه الأحزاب إلى منصات تدخل ورؤوس جسور للقوى الخارجية، ما جعلها قنوات طبيعية لاختراق القرار السيادي اللبناني.
على الرغم من أن الطائفية كانت سائدة ومتحققة في ستينات القرن الماضي، إلا أن ذلك القدر من الطائفية كان مضبوطًا بمعايير آمرة سمحت بإقامة إدارة فاعلة وأجهزة رقابة ومحاسبة ونظام قضائي مقبول الأداء.
خامسًا: الانهيار الشامل وتحول الدولة إلى غنيمة
مع انهيار وظيفة لبنان الاقتصادية التقليدية، وفقدان دولته لعافيتها وسيادتها ووظائفها الأساسية، تجوّف الداخل اللبناني وأصبح خاوياً، هشًّا وضعيفًا على مستويات الإعلام والتعليم والصحة والثقافة والسياحة والوساطة المالية والنظام المصرفي.
وانتقل وطن الأرز من قبضة محاصصة سلطة تتقاسم منافع دولة المزرعة، إلى سطوة مافيا تعتبر موارد الوطن وثرواته غنيمة غلبة، وتبدّى ذلك صارخًا في أزمة الانهيار المالي والاقتصادي في خريف ٢٠١٩.
والخلاصة هي، ان غالبية دول العالم لا يهمها من يحكم لبنان، بل أن لا يكون مصدرًا للجريمة المنظمة أو بؤرة لتصدير الإرهاب والعنف. وبناءً على هذه المهمة، تم إيصال قائد الجيش جوزاف عون إلى رئاسة الجمهورية، وتكليف القاضي نواف سلام بتشكيل الحكومة.
والمهمة واضحة وجليّة: تصفية أدوات الجريمة المنظمة وعزل رموزها وتجريم ممارساتها. ، وهي مهمة منوطة بجوزاف عون والاجهزة العسكرية والامنية وبنواف سلام ووزراء حكومته كافة واجهزة التفتيش والرقابة الادارية والمالية، وبعادل نصار وما يلتحق بوزارته من مجلس القضاء الاعلى الى النيابات العامة والمالية ودوائر العدلية، لا احد سينسى هذه المهمة، والأجدى ان لا ينسها من كانت سببا في وصولهم الى مسؤولياته.
لا أحد سينسى هذه المهمة، والأجدى ألا ينساها من كانت سببًا في وصولهم إلى مسؤولياتهم.

