منذ لحظة التأسيس وحتى اليوم، تضيع المفاهيم عند الحديث عن «حزب» في لبنان وُلد أصلاً كنتاج مباشر لجهاز عسكري إيراني هو «الحرس الثوري»، ليكون فصيلاً من فصائله الخارجية، مع بعض الخصوصيات المرتبطة بالجغرافيا اللبنانية البعيدة نسبياً عن الأراضي الإيرانية. لم يتكوّن هذا التنظيم كحزب سياسي تقليدي، بل نشأ بالسلاح والدم، ودفع لبنان أثماناً باهظة قبل أن يخرج إلى العلن في مطلع الثمانينات، بعد مسار شاق من الإعداد والإطلاق وتثبيت الحضور.
في بداياته، خاض الحزب صراعاً مفتوحاً مع نقيضه الأيديولوجي، ووجّه ناره نحو الحزب الشيوعي، الناشط في بيئة اعتبرها الحزب امتداداً طبيعياً لمشروعه المستقبلي. ولم يكن خروجه من «شرنقته» داخل الطائفة الشيعية ممكناً من دون العبور الإجباري فوق حركة أمل، التي شكّلت العائق الأساسي أمام مشروع تمدده. فكان الخيار هو القفز فوقها بالقوة، أو فرض توازن معها، ما أدى إلى اندلاع «حرب الإخوة» الدموية، التي انتهت بسيطرة الحزب على الضاحية الجنوبية وأجزاء من الجنوب والبقاع.
من حروب الداخل إلى احتكار شعار «المقاومة»
بعد تلك المرحلة، رُسمت حدود النفوذ بين الطرفين، في تسوية انتهت عملياً لمصلحة الحزب، ووفّرت له حرية الحركة داخل البيئة الشيعية، بدعم إيراني مباشر من «الحرس الثوري». من هذه البوابة، دخل حزب الله إلى مشهد «المقاومة»، لكن بعد أن أزاح فصيلين أساسيين من فصائلها الفعلية: الحزب الشيوعي وحركة أمل.
في هذا السياق، لعب العامل السوري دوراً داعماً لهذا الخيار، بالتنسيق الكامل مع إيران، التي كانت صاحبة المشروع والمخطط، ورفعت شعار مقاومة إسرائيل، وكأن الطريق إلى قتالها يمرّ أولاً عبر اغتيال الشيوعيين، ثم إشعال حرب داخل الطائفة الشيعية، خلّفت آلاف الضحايا، ولا تزال جراحها حاضرة حتى اليوم، بين التناسي القسري والتغاضي المقصود.
مع عام 2000، عام التحرير بلا قيد أو شرط، لم تتجه الأمور نحو بناء الدولة، بل حصل انقلاب شامل: على معنى التحرير، على قيام الدولة، على التنمية والإعمار، على المكونات الوطنية، وعلى المحيط العربي. انخرط الحزب في حروب المنطقة، وانقلب على الطائفة الشيعية نفسها، وعلى وظيفة السلاح ووجهته.
اليوم، يبدو الاقتناع بترك السلاح قراراً مستحيلاً ذاتياً، طالما أن «الأصل» أي الحرس الثوري لم يتخلَّ عن دوره وأهدافه في المنطقة. يعيش الحزب في عالم افتراضي، ويغذّي بيئته بالفرضيات والغيبيات والأوهام، محاولاً استنهاضها بالأدوات نفسها التي استُهلكت وأهلكته، وأرهقت طائفة بأكملها، ومعها الوطن والدولة والشعب.
يبقى السؤال: هل يصبح الإنقاذ واجباً، وتحمل المسؤوليات أولوية، قبل فوات الأوان؟

