لم يكن أحمد الأحمد، السوري الذي تدخّل ليوقف هجومًا يستهدف يهودًا مدنيين في أستراليا، فردًا معزولًا عن سياقه، ولا حالة إنسانية طارئة تصلح للاحتفاء العاطفي ثم النسيان.
أحمد الأحمد هو ابن عائلة، ابن مجتمع، ابن تاريخ حديث كُتب بالدم. وحين اندفع ليمنع القتل، لم يكن ينقذ أرواحًا فقط، بل كان يضع النظام السياسي والأخلاقي العالمي في قفص الاتهام.
لأكثر من أربعة عشر عامًا، جرى تقديم السوري، وخصوصًا السوري السنّي، بوصفه المشكلة لا الضحية.
تهافت الإسلامفوبيا
منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، صاغ نظام بشار الأسد، بدعم مباشر من إيران وبمشاركة ميدانية من حزب الله، رواية قسرية واحدة: كل من يخرج عليه إرهابي، وكل مدينة تُقصف هي وكر تطرف، وكل طفل يُقتل هو «خسارة جانبية» في معركة وهمية ضد عدو مُختلَق.
هذه الرواية لم تكن داخلية فقط، بل جرى تصديرها بعناية إلى الغرب، وما كان للغرب أن يبتلعها لولا أنها وفّرت له مخرجًا مريحًا، يتمثّل بالتخلّي عن واجبه الأخلاقي مقابل استقرار زائف، وغضّ الطرف عن الجرائم مقابل إدارة أزمات بلا كلفة سياسية.
في هذا المناخ، لم يُنظر إلى السوري بوصفه إنسانًا فقد بيته، أو أبًا فقد أبناءه، أو أمًّا خرجت من تحت الأنقاض، بل بوصفه مادة أمنية خام.
هكذا تسرّبت الإسلاموفوبيا من الهامش إلى قلب السياسات العامة: من خطاب الكراهية إلى قوانين الهجرة، ومن الشك الثقافي إلى الاشتباه الممنهج.
المسلم لم يعد مواطنًا محتملًا، بل خطرًا محتملًا، واللاجئ لم يعد ناجيًا من الموت، بل تهديدًا مؤجّلًا.
ثم يأتي أحمد الأحمد: السوري، المسلم، ابن العائلة، ابن سوريا التي تعلّمت معنى الخوف الحقيقي تحت البراميل لا في نشرات الأخبار، ليقف في وجه عنف يستهدف يهودًا، لا لأنه يهودي أو غير يهودي، بل لأنه مدني.
تحطم التصنيفات
هنا تحديدًا، تتكسّر كل التصنيفات.
هذا الفعل لا يمكن عزله عن فلسطين. فإسرائيل، منذ نكبة 1948، مرورًا بحروب 1956 و1967 و1973، واجتياح لبنان عام 1982، ومجازر صبرا وشاتيلا، ثم الانتفاضتين، وصولًا إلى الحروب المتكررة على غزة، بنت سجلًا طويلًا من العنف الممنهج المحمي سياسيًا.
حصار غزة، القصف المتكرر، استهداف البنية المدنية، والإفلات الدائم من المحاسبة، لم تكن مجرد سياسات عسكرية، بل رسالة أخلاقية معكوسة مفادها أن حياة الفلسطيني أقل وزنًا في ميزان العالم.
هذا السجل لم يُنتج فقط مأساة فلسطينية، بل راكم وعيًا جمعيًا عربيًا وإسلاميًا مثقلًا بالقهر والإذلال وانسداد الأفق.
وحين يفشل القانون الدولي، وتتعطّل العدالة، ويتحوّل مجلس الأمن إلى أداة شلل بفعل الفيتو، لا يختفي الغضب، بل يبحث عن منفذ.
لكن الفارق الحاسم هنا هو أن الغضب مفهوم، والظلم موثّق، أما تحويل هذا الغضب إلى قتل عشوائي لمدنيين، فهو سقوط أخلاقي لا يبرّره شيء.
إيران وحزب الله لم يعملا يومًا على تفكيك هذا الغضب، بل على توجيهه بما يخدم مشروع نفوذ إقليمي. استخدما فلسطين خطابًا، وسوريا ميدانًا.
حصار غزة، القصف المتكرر، استهداف البنية المدنية، والإفلات الدائم من المحاسبة، لم تكن مجرد سياسات عسكرية، بل رسالة أخلاقية معكوسة مفادها أن حياة الفلسطيني أقل وزنًا في ميزان العالم.
تحدّثا عن مقاومة إسرائيل، ومارسا في سوريا حصار المدن، والتطهير الطائفي، وتدمير المجتمع، وأسّسا لبيئة عنف مُفرغة من أي أفق تحرّري حقيقي.
وفي الجهة المقابلة، اختار الغرب أسهل الطرق: إدانة شكلية لإسرائيل لا تمسّ جوهر سياساتها، وتحميل المجتمعات العربية والإسلامية مسؤولية العنف الذي وُلد من رحم ازدواجية المعايير.
هكذا يُدان الفعل حين يقع في أوروبا أو أستراليا، ويُبرَّر حين يقع في غزة، ويُنسى حين كان يقع في حلب أو درعا.
كبح العنف وسقوط الارهاب السني
أحمد الأحمد، ابن سوريا التي عاشت هذا التراكم من الخذلان، قدّم في لحظة واحدة درسًا سياسيًا لا تُدرّسه الجامعات:
الأخلاق لا تُستمد من الخطابات، ولا من التحالفات، ولا من الشعارات الكبرى، بل من القدرة على كبح العنف حين يكون ممكنًا، حتى لو كان العالم كله يبرّره.
في تلك اللحظة، لم يُنقَذ اليهود فقط من رصاص أعمى، بل سقطت أسطورة «الإرهاب السنّي»، وانكشفت الإسلاموفوبيا بوصفها كسلًا فكريًا وعنصرية مقنّعة، وتعرّى نظام دولي يدّعي الدفاع عن القيم بينما يفاوض عليها حسب الموقع والهوية.
عائلة أحمد الأحمد لم تطلب اعترافًا، لكن فعل ابنها قدّم إدانة:
إدانة لإسرائيل حين تحتمي بالقوة وتتنصّل من العدالة،
وإدانة لإيران وحزب الله حين يتاجران بالمظلومية ويصنعان طغيانًا موازيًا،
لم يُنقَذ اليهود فقط من رصاص أعمى، بل سقطت أسطورة «الإرهاب السنّي»، وانكشفت الإسلاموفوبيا بوصفها كسلًا فكريًا وعنصرية مقنّعة
وإدانة للغرب حين يختار الاستقرار على حساب الحقيقة، ثم يتفاجأ بانفجارها في وجهه.
في عالم أقل نفاقًا، كان هذا الحدث سيُقرأ بوصفه إنذارًا.
لكن في عالمنا، سيحاول كثيرون تحويله إلى قصة ملهمة فارغة، لتفادي السؤال الأخطر:
كم من الدم كان يمكن تجنّبه لو أن العدالة لم تكن انتقائية؟
أحمد الأحمد لم يغيّر التاريخ، لكنه، في ثانية واحدة، كشفه.

