لبنان العالق بين «نعيم» الخارج و«قاسم» الداخل!

ياسين شبلي

منذ دخول اتفاقية وقف الأعمال العدائية حيّز التنفيذ في 27 تشرين الثاني 2024، وهي التي فاوض عليها «الأخ الأكبر» لحزب الله الرئيس نبيه بري في زمن حكومة «الثنائي» برئاسة نجيب ميقاتي، وما تلاها من ملء الفراغ في سدّة رئاسة الجمهورية، وبعدها «صدمة» الثنائي بتكليف الرئيس نواف سلام تشكيل الحكومة الجديدة، منذ ذلك الوقت وحزب الله، وبالرغم من كمّ الخسائر التي تكبّدها عديدًا وقادةً وعتادًا، كما النكبة التي تسبّب بها للشيعة ولبنان عامة، مصرٌّ على أن يتعامل مع الأحداث والتطوّرات – كعادته – بوجهين، من دون أي محاولة للمراجعة أو التراجع عن الخطأ متى وأينما وُجد، وهو ما يُفترض أن يقوم به «أولو البأس والألباب» لدى تبدّل المعطيات والظروف المحيطة، كما حصل مع الحزب منذ منتصف العام الماضي، إذ إنّ لكل مقام مقال، كما يُقال، ولكن هيهات.

وجه داخلي صاخب ووجه خارجي براغماتي

الوجه الأول، ويتعامل به مع الداخل اللبناني، هو وجه قاسي الملامح، سليط اللسان، ذو صوت عالٍ متعالٍ، ينطلق من إيديولوجيا وخطاب فيه الكثير من الغيبيات، كي لا نقول أكثر.

والثاني، يتعامل به مع الخارج ومتطلباته – أميركا وإسرائيل والعالم – وهو الوجه «البراغماتي المتفهّم»، بغضّ النظر عن الصوت العالي الذي يرافق عادة مثل هذا التعامل، لزوم التعبئة الشعبية والتجييش الذي يستخدمه في الداخل.

هذا السلوك يشبه إطلاق النار لتأمين الانسحاب من المعركة أثناء الحرب – ولكن على بيئته هذه المرّة للأسف – عبر استخدام العدو هذه «القرقعة» الفارغة ضد لبنان، بدعوى عدم التزامه القرارات الدولية وعجزه عن تنفيذ المهام الموكلة لجيشه. وبدا الحزب، بتعامله مع متطلبات هذا الخارج، وكأنه يطبّق مبدأ عسكريًا معروفًا هو «نفّذ ثم اعترض»، فينفّذ عمليًا ما يطلبه الخارج ويعترض في الداخل، وهو بامتثاله – ولو مجبرًا – للخارج، إنما يعني أنه يتصرّف بعكس حالة الإنكار التي يتعامل بها مع الداخل اللبناني، وهي الحالة التي تدفعه للاعتراض وارتكاب المزيد من الخطايا بحق هذا الداخل وبيئته ضمنًا.

من المطار إلى الليطاني: الاعتراض يسقط والقرار يبقى

بدأت القصة مع تفتيش حقائب الدبلوماسيين الإيرانيين في مطار رفيق الحريري الدولي، ثم مع منع الطيران الإيراني من الهبوط في بيروت. هاج وماج الحزب وأقفل طريق المطار، وبعدها انتهى الاعتراض وبقي القرار.

ثم جاء قرار حصرية السلاح بيد الدولة، فخرج الوزراء الشيعة من الجلسة، ولكن ما كُتب كان قد كُتب. وبعدما كان يُقال إن نقل الليطاني إلى الحدود أسهل من نقل السلاح من جنوبه، بات تسليم السلاح في جنوب النهر يُعتبر إنجازًا للحزب ومساهمة منه في إحلال السلام.

كذلك الأمر مع قرار الحكومة القبول بأهداف ورقة باراك، والذي تم بغياب الوزراء الشيعة الذين خرجوا هذه المرّة من القاعة فقط، بينما خرج فوج الموتوسيكلات إلى الشوارع قبل أن ينسحب مجددًا وينهي الاعتراض. وكذلك القرار الأخير بتعيين السفير سيمون كرم ممثّلًا مدنيًا للبنان في اجتماعات لجنة «الميكانيزم».

خطاب نعيم… وتنفيذ قاسم

وهكذا، بات مقابل كل قرار تتخذه الحكومة بما يخصّ طلبات الخارج وينفّذه الجيش – والحزب ضمنًا – هناك خطاب اعتراضي عالي السقف يخرج علينا به الشيخ نعيم قاسم، لزوم التجييش الداخلي وشدّ العصب، على طريقة دكتور جيكل ومستر هايد، أو بالأحرى «نعيم» في الخارج و«قاسم» في الداخل.

طبعًا، لا يظننّ أحد بأننا نسجّل نقاطًا على حزب الله في موضوع القبول بما يتطلبه الوضع الصعب الذي يعيشه لبنان. فالوقت ليس لتسجيل النقاط، وكلنا في الهمّ شرق، كما يُقال. أبدًا، على العكس، فنحن نثمّن كل موقف يعطي دفعًا لمواقف الدولة اللبنانية في مفاوضاتها مع العدو والخارج.

الداخل المختنق وامتحان الحكمة

لكن ما نطلبه أن يتعامل حزب الله مع الداخل بهدوء ورويّة وواقعية وعدم إنكار، كما يتعامل مع متطلبات الخارج، من دون مزايدة وصراخ وتهديد واتهامات بات يُنظر إليها على أنها مجرّد وسيلة كي يغطّي فيها «سماوات» التنازل بـ«قبوات» الممارسات الشاذة ضد الدولة والمجتمع.

كما حصل في «موقعة» الروشة، التي ضربت صورة البلد عبر ضرب صورة الحكومة وهيبتها، باستعمال بعض «الشبيحة» الصغار، والتي دعت البعض – وهذا صحيح للأسف – للتساؤل: ماذا لو كان «أفيخاي» هو من طلب الابتعاد عن صخرة الروشة؟ هل كان الأمر سيُنفَّذ أم لا؟

وهنا قمة المأساة، عندما تتحوّل العلاقة بين مكوّنات المجتمع اللبناني إلى هذا الحدّ من الاحتقان، نتيجة عدم التعامل بحكمة وواقعية مع الأحداث من قِبل الحزب وجمهوره. هذا الاحتقان الذي لا ينتج عنه أي مكسب للبنان، وللشيعة بشكل خاص، بل على العكس، لا يجلب إلا الحقد والتنابذ بين الناس، والخراب والدمار للبلد، وهو ما يريده العدو الإسرائيلي.

فهل نطمع بقليل من التواضع والحكمة والبراغماتية في التعامل مع الواقع الداخلي، كما مع الواقع الخارجي، لا أكثر ولا أقل؟

سؤال برسم أصحاب القرار والعمائم في الحزب، لعلّهم يعقلون ويدعون الناس تعيش في القليل القليل من «النعيم» الموجود حاليًا، وهو الأمان، بدل انتظار المزيد من الجحيم القائم والمستمر منذ بداية حرب الإسناد، التي تحوّلت إلى فعل «قاسم» للبنانيين، وضربة قاصمة «للمقاومة» والحزب ولبنان، وكذلك المحور، يا شيخ نعيم.

السابق
حين وقف السوري احمد الأحمد بين اليهود ورصاص الارهابيين..سقطت كل الروايات!
التالي
«اليازا» تكشف «فضيحة الإطارات المغشوشة»: لتدخّل فوري لحماية السلامة العامة