من حبيب صادق إلى سيمون كرم: جنوبُ وطنٍ لا متراسُ محور

حارث سليمان

يذهب حزب الله إلى اعتبار تكليف السفير سيمون كرم، بصفته مسؤولًا مدنيًا وسياسيًا، رئاسةَ الوفد اللبناني إلى اجتماعات “الميكانيسم” الخماسية، الذي يضمّ في عضويته لبنان وكيان العدو الإسرائيلي، تنازلًا مجانيًا لا مردود له. والقول هذا، في جوهره، صحيح على مستويين متلازمين.

أولًا، لأن رفع مستوى التفاوض من الإطار العسكري التقني إلى المستوى السياسي يشكّل بالفعل تنازلًا لبنانيًا واضحًا، أُقدِم عليه خلافًا لما نصّ عليه اتفاق الإذعان المبرم في 27 تشرين الثاني 2024، والذي حصر التفاوض بين عسكريين دون سواهم. وقد جاء هذا التنازل، من الجانب اللبناني، في سياق محاولة واعية لتفادي حرب إسرائيلية كانت احتمالات اندلاعها مرتفعة، أو على الأقل لتأجيلها، في لحظة إقليمية ودولية بالغة الحساسية. ذلك أن غياب هذا التنازل كان من شأنه أن يرفع منسوب استعداد الولايات المتحدة والدول الغربية لتوفير الغطاء السياسي والعسكري لعدوان إسرائيلي جديد على لبنان.

ولا جدال في أن تفادي الحرب هدف إيجابي يخدم المصلحة الوطنية اللبنانية العليا، ويصبّ في مصلحة اللبنانيين عمومًا، واللبنانيين الشيعة خصوصًا، بما في ذلك عناصر حزب الله أنفسهم، حتى وإن استدعى ذلك تقديم تنازل سياسي محسوب. ومع ذلك، يصرّ الشيخ نعيم قاسم على توصيف هذا المسار بوصفه “تنازلًا مجانيًا لا فائدة منه”. وهذا التوصيف لا يُفهم إلا ضمن منظومة التفكير العقائدي للحزب، والدور الوظيفي الذي نشأ عليه وتربّى في كنفه.

ففي منطق حزب الله ومسلماته التأسيسية، لا قيمة لأي تفاوض يجري تحت سقف الدولة اللبنانية، أو يهدف إلى خدمة المصلحة الوطنية اللبنانية، أو يسعى إلى إعادة بيوت الجنوبيين إلى أصحابها، وتأمين عودتهم الآمنة إلى قراهم واستقرارهم فيها. إذ إن الحزب، منذ نشأته، لا يرى في “المصلحة التي يجب الدفاع عنها والاستشهاد في سبيلها” سوى مصلحة الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وكل تضحياته، وكل ما يدفع اللبنانيين الشيعة إلى تقديمه من أثمان بشرية ومادية، ينبغي أن يُرحَّل ويُحتسب في رصيد الولي الفقيه، لا في رصيد وطن الأرز وشعبه.

ففي منطق حزب الله ومسلماته التأسيسية، لا قيمة لأي تفاوض يجري تحت سقف الدولة اللبنانية، أو يهدف إلى خدمة المصلحة الوطنية اللبنانية

أن يفاوض لبنان دفاعًا عن نفسه، ولمصلحة أبنائه،   وبدافع الرعاية والتضامن والمسؤولية تجاه أهالي القرى الجنوبية الذين اقتُلعوا من بيوتهم، هو أمر لا ترى فيه طهران أي فائدة، ويعتبره حزب الله خارج نطاق “تكليفه الإلهي” المتمثل في حماية النظام الحاكم في إيران والدفاع عن مصالحه الإقليمية. فبذل الغالي والرخيص في سبيل ما ينفع المرشد الأعلى ليس خيارًا ظرفيًا، بل هو من بديهيات سياسات الحزب وخياراته الاستراتيجية. وقد عبّر السيد حسن نصرالله عن ذلك بأوضح العبارات حين قال إن مجرد اقتناع الحزب بأن فعلًا ما يرضي المرشد، كافٍ ليدفعه إلى الإقدام عليه دون تردّد.

ويستحضر اللبنانيون في هذا السياق مفاوضات الترسيم البحري، التي انتهت إلى تنازل الدولة اللبنانية عن جزء وازن من حقوقها في حقل غاز كاريش، وفق خيار تولّاه علنًا كلّ من الرئيس السابق ميشال عون والسيد نصرالله، الذي وقف يومها “وراء الدولة” الآمرة بأمره، ليؤمّن الغطاء السياسي لصفقة إقليمية – دولية غير معلنة، شاركت فيها إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. صفقة أتاحت لطهران تسوية في العراق أفضت إلى تكليف محمد شياع السوداني رئاسة الحكومة، وسمحت لها برفع صادراتها من النفط الخام، المحاصر بالعقوبات، من نحو 400 ألف برميل يوميًا إلى ما يقارب مليونًا ونصف المليون برميل.
في تلك اللحظة، أعلن السيد نصرالله أن الهدف هو “أكل العنب لا قتل الناطور”. غير أن “العنب” لم يكن يومها غاز لبنان، الذي تبيّن لاحقًا أنه مجرّد وعود جوفاء وحصرم في حلم مؤجّل، بل كانت المكاسب إيرانية خالصة، تحققت على حساب لبنان وحقوقه السيادية.

قاوم السفير سيمون كرم تكليفه رئاسة الوفد اللبناني إلى اجتماعات الميكانيسم، وأبدى تحفّظًا واضحًا حيال هذه المهمة، إلى أن واجهه رئيس الجمهورية، بثلاثة اعتبارات متداخلة: أولها العلاقة الشخصية المتينة التي تربط الرجلين والعائلتين؛ وثانيها استنهاض الحس الوطني لدى كرم، وحبه العميق للبنان وجنوبه؛ أما ثالثها، وهو الأعمق دلالة والأثقل مسؤولية، فكان العودة إلى خطاب ألقاه سيمون كرم في حفل تكريم الراحل حبيب صادق، الذي نظمه المجلس الثقافي للبنان الجنوبي في  الاسبوع الأول من تموز الماضي.

“العنب” لم يكن يومها غاز لبنان، الذي تبيّن لاحقًا أنه مجرّد وعود جوفاء وحصرم في حلم مؤجّل، بل كانت المكاسب إيرانية خالصة

في ذلك الخطاب، رسم كرم معالم خارطة طريق واضحة لإنقاذ الجنوب وأهله من تداعيات كارثة “حرب الإسناد”. ولم يطلب رئيس الجمهورية من صديقه السفير سوى الالتزام بما ورد في ذلك الخطاب، الذي جاء فيه حرفيًا: ” عاش اللبنانيون “حرب الإسناد” منقسمين بعمق حول ضرورتها ومسؤولية مباشرتها؛ وزاد الإنقسام حدة حول شروط إنهائها ومصير ما تبقى من سلاحها.

شروط إنهاء الحرب جاءت أفدح من الحرب؛ وما يزيد الأمور بشاعة أن الذين أذعنوا لوقف إطلاق نار من طرف واحد مع إسرائيل، يطلقون نارا سياسية وأمنية كثيفة على الداخل، ساعين الى بعث ما عاشوه غلبة، سحابة سنوات قصيرة عجاف، وأدى بهم وبالبلاد وأهلها الى هذا الخراب العميم.

يهاجمون الدولة لاعتمادها الخيار الديبلوماسي، وهو الوحيد المتاح بعد النكبة؛ والجيش بحجة أنه عاجز عن حماية البلاد والناس؛ “والقوات الدولية” لسعيها تنفيذ القرارات الدولية؛ وسائر اللبنانيين إذا قالوا لهم كفى.
جميع هؤلاء خونة ومتآمرين؛ وبقايا السلاح وبقايا العسكر وبقايا الأمن وبقايا الإعلام مستنفرين لتأديبهم وإخضاعهم…

صبرٌ على إسرائيل التي أردت الى الآن ما يفوق مئتي ناشط منذ أوقفوا نارهم ( ارتفع العدد الى ٤٠٠)، ولا صبر على الداخل، رئاسة وحكومة وجيشا ومجتمعا مدنيا ومراكز ثقافية وجامعات وجماعات ومدن وبلدات؛ بما فيها تلك التي فتحت بيوتها وقلوبها للنازحين في محنتهم؛ ثم كلمة جارحة مع كل إطلالة، آخرها “باقين على قلوبكم”.

لا نملك إزاء هذه العدائية الطافحة إلا أن نلوذ بالدولة. نطالبها بالدفاع عن نفسها أولا؛ أن تدافع عن رموزها ومؤسساتها الكبرى، محراب سيادتها الوطنية ومسؤوليتها عن اللبنانيين. أن تعلن أنها الملاذ والمرجع لكل ضحايا هذه العدوانية؛ هم السواد الأعظم من اللبنانيين المستهدفين بالترهيب والذين ذاقوا طعم الإرهاب؛ تخوينا وغطرسة واغتيالات، ويخشون عود على بدء.

لا نملك إزاء هذه العدائية الطافحة إلا أن نلوذ بالدولة

أن تقول الدولة نيابة عن هؤلاء جميعا ومفوضة منهم، أن التمسك بالسلاح تمسك بالإحتلال.

الخيار الديبلوماسي مضمونه قبول التفاوض في ظل ميزان القوة القائم، ثنائيا وإقليميا؛ وهو السبيل الوحيد المتاح أمام الدولة؛ متاح لها الإستعانة، والى حد معين الإستقواء بأصدقاء لبنان، عربا ودوليين؛ ولكن غير متاح أن يفاوض هؤلاء نيابة عنها؛ فيما تكتفي بالمطالبة بإزالة الإحتلال.
 

طرح إتفاقية الهدنة هو المدخل التفاوضي الصحيح؛ دون أوهام حول أن الحل المرجو يمكن أن يتجاوزها. والأخذ بالإعتبار أن الدولة التي وقعت هدنة 1949، اتخذت قرارا سياسيا كبيرا، جوهره قدرتها المحسومة على فرض الأمن، دون شريك أو منازع، على حدودها وكل أراضيها؛ مقابل إلتزام إسرائيل بموجبات الهدنة. معادلة حققت للبنان عقدين من الإستقرار حتى “إتفاق القاهرة”.

منطق التفاوض إنطلاقا من “إتفاقية الهدنة” هو الرجوع الى دولة الهدنة.
وهدف التفاوض الرئيسي إنهاء إحتلال التلال الخمس وملحقاتها. وتحديد وترسيم الحدود البرية وتثبيت إتفاق تحديد الحدود البحرية، رغم ما تضمنه من تفريط في موارد البلاد الإقتصادية. والذهاب بمزارع شبعا الى التحكيم الدولي مع إسرائيل وسوريا على حد سواء.

منطق التفاوض إنطلاقا من “إتفاقية الهدنة” هو الرجوع الى دولة الهدنة

الهدف الموازي التفاوض على العبور من “إنهاء الأعمال العدائية” الذي يحكم الواقع الحالي، وشروط إنهاء العداء بين الدولتين ؛ تأكيدا وضمانا لتمكن لبنان من إعادة إعمار الجنوب؛ بالموارد الوطنية المتاحة والمساعدات العربية والدولية؛ وعودة الناس الى البلدات والقرى، ومباشرة الإعمار.

هذا سوف يكون طريقا شاقا وطويلا؛ شرطه الوحدة الداخلية، كي لا يصبح مستحيلا وتتضاعف المخاطر المحدقة. لا التفاوض مع إسرائيل نزهة؛ ولا إعادة إعمار الجنوب والضاحية والبقاع ممكن في ظل استمرار حال العداء مع إسرائيل؛ ولا استقطاب الإستثمارات العربية والدولية لإنهاض الإقتصاد متاح في ظل استمرار هذا الواقع.

الحكمة والحنكة في آن معا، ربط هذه المصالح الوطنية الكبرى؛ الأمن لإعادة الناس الى أرضها والمساعدات لمباشرة الإعمار؛ والإستثمارات لإنهاض الإقتصاد؛ ربطها جميعا بمجرى التفاوض في بعديه العربي والدولي. مع الإعتبار أن الخارج يتحدث بلغة الإستثمار أكثر بأضعاف من المساعدات.

أهل جبل عامل هم أهل إقدام وتضحية ومهابة؛ يعرفون من التاريخ قبل الحاضر أن حفظ الذات يقع في حسن الخيار وحكمته، إزاء صروف الدهر ومحن الزمان؛ قلب صفحة العداوة ليس أمرا هينا، ولكنه على مرارته، هو حفظ لهم قبل سائر مواطنيهم؛ وضمانة لحياتهم أعزاء موفورين في أرضهم؛ في حاضرهم ومسقبل أجيالهم.
كأس مرة على كل اللبنانيين؛ أن يقدموا على تجرعها مجمعين، قرار عبور من لحظة الشدة القصوى ورهان على غد ممكن.
(انتهى الاقتباس).

كان ذلك الخطاب جنوبيًا بامتياز، أُلقي في قاعة غصّت بأبناء الجنوب ومعانيه ورموزه. ولم تتجاوز الاعتراضات عليه دائرة ضيقة، محصورة بعدد لا يتعدى أصابع اليدين، خرج أصحابها – أو أُخرجوا – من القاعة، ليُكمل سيمون كرم مداخلته، وتتحوّل ذكرى حبيب صادق إلى نقطة  انطلاق لحراك دولة متصاعد وعمل ديبلوماسي، مركّب الأبعاد، هدفه إعادة الجنوب إلى كنف الدولة، واسترجاع البيوت إلى أصحابها، وتأمين عودة النازحين إلى مدنهم وقراهم.
  شكرا حبيب صادق فذكراك اطلقت مبادرة.

السابق
ترامب ينعى قتلى هجوم تدمر.. ويتوعد بردّ «حازم وجدي»
التالي
حين يُقرَّر «الشيخ» الموت باسمنا: خطاب الخسارة الشاملة!