ثغرات تنظيمية في القرار رقم 12 الصادر عن الهيئة الناظمة للاتصالات

الاتصالات

بدو من خلال الاطلاع على القرار رقم 12 الصادر عن الهيئة الناظمة للاتصالات، والذي تم نشره في الجريدة الرسمية بتاريخ 11/12/2025، في موضوع “النظام الخاص بأصول الترخيص لمقدمي خدمات الاتصالات” والجدول المرفق به، أنّ الإطار التنظيمي المعتمد يعود في روحيته ومضمونه إلى ما يقارب عشرين عامًا على الأقل، ولم يخضع لأي عملية تحديث حقيقية تواكب التطور الهائل الذي شهده قطاع الاتصالات خلال العقدين الماضيين.

فالخدمات المذكورة تكاد تقتصر على الفئات التقليدية التي كانت سائدة في مطلع الألفية، في حين تغيب بالكامل مجموعة واسعة من الخدمات التي تعدّ اليوم خاضعة للترخيص وفقًا للمعايير المعتمدة دوليًا، سواء في مجالات البنية التحتية، أو خدمات البيانات المتقدمة، أو منظومات المحتوى الرقمي.

إنّ هذا النقص الواضح في شمولية التصنيف يعكس عدم مواكبة القرار المذكور للتحولات التقنية والتنظيمية، ويؤكد الحاجة الملحّة إلى تحديث شامل يعيد مواءمة النظام الوطني مع التطورات العالمية في قطاع الاتصالات.

تركيز مفرط على التراخيص التقليدية

يظهر من الجدول المرفق بالقرار والصادر عن الهيئة أنّه يركز بصورة أساسية على التراخيص التقليدية المرتبطة بالبنية التحتية للاتصالات، مثل الخدمات الهاتفية، شبكات النفاذ، تراخيص الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية، وخدمات المشغّل الافتراضي. غير أنّ هذا التصنيف، على أهميته، يبقى جزئيًا ولا يعكس بصورة كاملة التطور الحاصل في أسواق الاتصالات الحديثة، سواء من حيث الخدمات الرقمية المتقدمة أو من حيث البنية التحتية الداعمة لنقل البيانات وإدارة المحتوى.

وعليه، ثمة مجموعة من الخدمات الأساسية التي كان من الضروري إدراجها بصورة صريحة ضمن أنواع التراخيص، نظرًا لكونها باتت جزءًا لا يتجزأ من المنظومة التشغيلية في أي قطاع اتصالات معاصر.

فئات ترخيص أساسية غابت عن القرار

أولًا، كان من الضروري الإشارة إلى خدمات نقل البيانات الدولية وخدمات البوابات الدولية (International Gateway)، بما يشمل تراخيص الخطوط الدولية الخاصة، والربط المباشر، والقدرة على تمرير الحركة الصوتية والبيانية عبر الحدود. هذه الفئة تشكّل عنصرًا بنيويًا واستراتيجيًا لا يمكن الفصل بينه وبين عمل المشغلين المحليين، كما ترتبط مباشرةً بأمن الشبكات وسيادة البيانات.

ثانيًا، غاب عن الجدول ذكر تراخيص الكابلات البحرية ومحطات الهبوط التابعة لها، وهي خدمات حيوية تتيح الربط الدولي المباشر وتعتمد عليها كل شركات الإنترنت والخدمات السحابية. إدراج هذا النوع من التراخيص يعدّ ممارسة تنظيمية بديهية نظرًا لارتباطه بإدارة أصول حساسة ذات طابع دولي.

ثالثًا، لم يُذكر أي إطار تنظيمي لمراكز تبادل الإنترنت المحلية (IXP)، رغم أنّ وجودها يساهم في تحسين جودة الخدمة، وخفض كلفة نقل البيانات، وتعزيز استقلالية حركة الإنترنت الوطنية، وهو عنصر معتمد في جميع الدول التي تتبنى تنظيمًا متقدمًا للقطاع.

رابعًا، لم يتم التطرق إلى خدمات الحوسبة السحابية، والاستضافة الإلكترونية، ومراكز البيانات، رغم أنّها أصبحت مكوّنًا أساسيًا من مكونات البنية التحتية الرقمية، وتشكل في بعض الدول فئة ترخيص خاصة أو فرعية. وتشمل هذه الفئة خدمات الاستضافة المشتركة، الاستضافة المُدارة، مراكز المعالجة المحلية، وخدمات الحوسبة الموزّعة.

خامسًا، تعدّ خدمات إنترنت الأشياء والاتصال بين الآلات (IoT / M2M) من الفئات التي لا يمكن تجاهلها في الأنظمة الحديثة، لا سيما في ظل انتشار التطبيقات الصناعية والمدنية التي تعتمد على الاتصال الدائم والمتدني القدرة. وكان من الضروري تحديد إطار تنظيمي أو فئة تراخيص خاصة بها، سواء كمشغّل مستقل أو كمقدم خدمات متخصص.

سادسًا، غابت كذلك التراخيص المتعلقة بخدمات الرسائل القصيرة بالجملة (A2P SMS Aggregators)، وهي صناعة قائمة بذاتها وتلعب دورًا محوريًا في خدمات المصارف، التجارة الإلكترونية، التحقق الأمني، والمنصات الرقمية.

سابعًا، لم يتم إدراج تراخيص خدمات مشاركة البنية التحتية، بما في ذلك مشاركة الأبراج، مشاركة شبكات الراديو، والخدمات المرتبطة بتجميع المواقع وبنى النفاذ السلبي. هذه الفئة تعدّ عنصرًا أساسيًا لخفض الكلفة وتعزيز المنافسة، وتدرج عادة ضمن تنظيم خاص بالمشغلين الجدد أو المشغّلين البديلين.

ثامنًا، كان من الضروري إضافة خدمات المحتوى السمعي البصري عبر بروتوكول الإنترنت (IPTV)، نظرًا إلى أنّها أصبحت من أكثر الخدمات انتشارًا على شبكات الاتصالات الثابتة والمتنقلة، وتحتاج إلى إطار تراخيص يحدد مسؤوليات مقدم الخدمة، شروط الجودة، آليات حماية الحقوق، وتقاطعها مع خدمات البث التقليدي. إدراج هذه الخدمة أساسي لأنها تجمع بين طبيعة اتصالية (Transmission) وطبيعة إعلامية (Content Delivery)، ما يجعلها بحاجة إلى تنظيم مشترك أو مزدوج في معظم الدول.

تاسعًا، لم يتضمن الجدول أي إشارة إلى خدمات المحتوى الموزّع وشبكات تسليم المحتوى (CDN)، رغم أنّها عنصر بالغ الأهمية لضمان جودة تجربة المستخدم، ويدخل ضمنها مشغلو شبكات كبرى مثل مقدمي خدمات الفيديو العالميين ومنصات البث.

الحاجة إلى تحديث شامل للنظام الوطني

إنّ غياب هذه الفئات من جدول أنواع التراخيص يحدّ من شمولية الإطار التنظيمي، ويجعل النظام أقرب إلى نموذج ترخيص تقليدي لا يتسق مع تطور القطاع واتساع الخدمات الرقمية. وعليه، كان من الضروري أن تتضمن اللائحة فئات جديدة تعكس الواقع التشغيلي، والتكنولوجي، والاستثماري لقطاع الاتصالات، بما يضمن بيئة أكثر وضوحًا للمشغلين، واستقرارًا تنظيميًا أكبر، وقدرة أفضل على استيعاب الابتكار الرقمي.

السابق
عندما تذمّر قاسم سليماني من لونا الشبل: إنها جاسوسة 
التالي
العمل التطوعي في جمعيات صيدا: من نشاط مدرسي إلى سلوك راسخ