يتسارع الحراك الديبلوماسي بين بيروت وتل أبيب تحت سقف واحد: منع اندلاع حرب جديدة وتثبيت مسار المفاوضات عبر لجنة “الميكانيزم” التي استعادت زخمها بعد تكليف السفير سيمون كرم رئاسة الفريق اللبناني وتعيين أوري رازنيك في الفريق الإسرائيلي. تؤكد مصادر ديبلوماسية أميركية وفرنسية أنّ الإدارة الأميركية تدخل بثقلها مع إسرائيل لإعطاء هامش زمني لتجربة الإطار التفاوضي الجديد، بما يسمح بجسّ نبض جدّية الأطراف وقدرة الآلية على إنتاج نتائج.
التوجّه الأميركي – الفرنسي يقوم على مسارين متوازيين: الأول، اختبار فعالية اللجنة وتطوير دورها، والثاني، تثبيت مهلة نهاية العام كموعد حاسم لمهمة الجيش اللبناني في نزع سلاح “حزب الله” من جنوب الليطاني، ولو بحدّها الأدنى. وفيما تُبقي إسرائيل على وتيرة غارات محدودة، يجري التعامل مع الوضع باعتباره قابلًا للاحتواء إن نجحت الديبلوماسية في ضبط الإيقاع.
ترامب يدخل على الخط: من لغة القوة إلى لغة الضبط
بروز الدور الأميركي لم يعد تفصيلاً. فقد نقلت “يديعوت أحرونوت” عن مصادر سياسية إسرائيلية أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب حثّ بنيامين نتنياهو على الانتقال من الخطاب العسكري إلى المسار الدبلوماسي، ليس فقط في لبنان بل في غزة وسوريا أيضاً. والأهم ما كشفته الصحيفة عن توصية من كبار قادة الجيش الإسرائيلي بوقف القتال والانتقال إلى مرحلة إعادة بناء الجيش.
هذا التحوّل لا ينفصل عن القلق الأميركي من انزلاق الوضع إلى مواجهة واسعة في لبنان، خصوصاً في ظل انخراط واشنطن المتزايد في ترتيبات ما بعد الحرب الإقليمية الأخيرة. كما تنقل الصحيفة أنّ إسرائيل أبلغت لبنان استعدادها لتصعيد القتال إن تعثّر مسار نزع السلاح، في موازاة تأكيد أميركي بأنّ ترامب يدخل على خط الوساطة المباشرة لمنع الانفجار.
التزامات ميدانية وضغط خارجي: الجيش في قلب الاختبار
المشهد على الأرض لا يقلّ حساسية عن المشهد السياسي. فاليونيفيل، وعلى لسان قائدها الجنرال ديوداتو أبانيارا، أكدت أنّ لا دلائل على إعادة انتشار “حزب الله” جنوب الليطاني، مشددة على أنّ إسرائيل ترتكب انتهاكات صارخة لوقف النار.
من جهة أخرى، ترى مصادر فرنسية أن على الجيش اللبناني تقديم “برهان إضافي” على تنفيذه عملية نزع السلاح، حتى داخل المنازل حيثما تتوفر معلومات. وتشدد هذه المصادر على أنّ نهاية السنة هي الحدّ الفاصل أمام المجتمع الدولي لإثبات جدية الدولة اللبنانية.
التوجيهات الأوروبية تأتي في الإطار ذاته، إذ كشف الاتحاد الأوروبي وثيقة تدرس تعزيز قوى الأمن الداخلي بهدف تخفيف العبء عن الجيش ليمارس دوره الدفاعي في ملف نزع السلاح تحديداً، في ضوء بدء التحضير للانسحاب التدريجي لليونيفيل عام 2026.
زيارات ووسطاء ونصائح: بيروت مركز تقاطع الرسائل
التحركات الديبلوماسية تكثّفت بعد زيارة البابا الأخيرة، لتتحوّل بيروت إلى محطة رئيسية للموفدين الدوليين. ينضم جان إيف لودريان مجدداً إلى مشهد التفاوض الدوري، من دون أن يحمل جديداً نوعياً، فيما يستعد الرئيس جوزف عون لزيارة سلطنة عُمان، الدولة التي تلعب دور الوسيط الصامت بين ملفات المنطقة.
في الداخل، أعلنت السفارة الأميركية عبر سفيرها ميشال عيسى عن اتصالات لاستئناف زيارة قائد الجيش رودولف هيكل إلى واشنطن، معتبرة أنّ الأمور تسير نحو الوضوح من دون تحديد موعد. وفي المقابل، يكرر المبعوث توم بارّاك أنّ المطلوب ليس نزع السلاح بالكامل بل “منع الحزب من استخدامه”، مع الدعوة إلى حوار مباشر بين لبنان وإسرائيل خارج إطار الميكانيزم.
الاستحقاقات الداخلية تتقاطع مع الضغط الخارجي: بين السلاح والانتخابات
وسط هذا الزخم الديبلوماسي، تنعكس السجالات الداخلية على المشهد العام. فالبطريرك الماروني يتحدث عن “فجر سلام” في زمن التفاوض، بينما يدعو وزير العدل إلى وقف التهديد بالسلاح باعتباره يخدم السردية الإسرائيلية ويضعف الموقف اللبناني.
على خط متوازٍ، اشتعل السجال الانتخابي بين القوات اللبنانية وحركة أمل، بعدما دعا سمير جعجع الرئيس بري إلى “الرحمة الانتخابية”، ليردّ النائب علي حسن خليل بأنّ الانتخابات في موعدها وأن صلاحيات رئاسة المجلس “لا تُصادر”.
في المحيط الإقليمي، يسجل جعجع تهنئة للشعب السوري في الذكرى الأولى لسقوط نظام الأسد، في خطوة سياسية تعكس تحوّلات جوهرية في موقع سوريا الجديد وتداعياته على لبنان.

