في الثامن من شهر كانون الأول – ديسمبر من العام الماضي ٢٠٢٤، دخلت قوات المعارضة السورية العاصمة دمشق، وبذلك أُسدل الستار عن حكم البعث الأسدي الذي حكم سوريا لمدة نصف قرن، عانى منها الشعب السوري الويلات على اختلاف أنواعها. وهذا ما أنهى نظام العائلة الواحدة ونظام الأقلّية التي حكمت سوريا بالحديد والنار وبشتى أنواع الأجهزة المخابراتية وأعتاها على شعبها، وقد وُجّهت له شتى أنواع الاتهامات ببيع الجولان وشتى أنواع التنازلات فقط ليستمر بحكم سوريا وشعبها.
أي مضى عام بالتمام والكمال على سقوط نظام حكم آل الأسد الأب والابن، وبذلك تحرّر الشعب السوري من أبشع أنواع الأنظمة الثيوقراطية في العالم، والتي لم تترك شيئًا من شتى أنواع وأصناف العذاب إلا وقد طبّقته على شعبها، حتى أُطلقت على سجون النظام أبشع التسميات، لا سيما على معتقل صيدنايا الذي وُصف بالمسلخ البشري. ولليوم، وبعد مرور عام، لا زال آلاف السوريين كما اللبنانيين مفقودين وغير معروف مصيرهم بعد، وهذا ما يؤكد معاناة الشعب السوري ومعه الكثيرين من اللبنانيين لا زالوا مجهولي المصير.
تولّي أحمد الشرع الحكم وصعود شخصية مثيرة للجدل
بعد سقوط نظام البعث الأسدي، استلم الحكم في سورية السيد أحمد الشرع، والذي كان يُعرَف حتى حينه بأبي محمد الجولاني قائد حركة تحرير الشام، الجبهة المتطرفة دينيًا والتي كانت لها سمعة غير حسنة، وكان الرئيس عليه عقوبات مفروضة من العديد من الدول وأبرزها الولايات المتحدة، حتى كان ثمن رأسه أو من يعطي عنه أي معلومات ملايين الدولارات، وكانت حركته تُصنَّف بالإرهابية.
ولكن فور دخوله دمشق والقصر الرئاسي بدأت العقوبات والاتهامات تنحسر، وأصبح رئيس سوريا، وقامت ولا زالت بعض الدول باحتضانه واحتضان نظامه وتوفير الدعم على شتى أنواعه، حتى بدأ الرئيس الأمريكي وبعض الحكام العرب يطالبون لبنان بالاقتداء بسوريا وحكمها.
سجل عام من الحكم الجديد: إنجازات أم انتكاسات؟
وفي جردة سريعة لنظام الحكم السوري الجديد، لا بد من توجيه الاتهامات بقيامه ببعض الأعمال الخارجة عن المألوف، ومنها بعض الاشتباكات الداخلية التي حدثت في الساحل السوري، ثم في جنوب سوريا تحديدًا في منطقة السويداء “جبل العرب” حيث الأكثرية من المواطنين الدروز. وأيضًا حدثت بعض المجازر التي ذهب ضحيتها آلاف من السوريين وتهجر العديد من مواطنيها كما حصل في منطقة الساحل السوري.
كذلك لم يتم تطبيق الاتفاق الذي تم توقيعه بين النظام وبين قوات سوريا الديمقراطية ذات الأكثرية الكردية في الشمال، كما أن إسرائيل وصلت إلى قمة جبل الشيخ الاستراتيجية مع احتلالها للعديد من المناطق الجنوبية في محافظة القنيطرة، وزاد تدخلها في الصراع ما بين الأقلية الدرزية في الجنوب وبين النظام الناشئ.
الاحتضان الدولي مقابل التخبط الداخلي
وعلى الرغم من الاحتضان الأمريكي تحديدًا والعربي أيضًا مع العديد من الدول الغربية، ورفع العقوبات التي كانت مفروضة على النظام البائد، وتهافت الاستثمارات على سوريا وحكمها الجديد، واستضافة الرئيس الشرع واستقباله من قبل العديد من قيادات الدول وأبرزها الأمريكية والعربية، إلا أن النظام الناشئ لا زال يتخبط في العديد من المشاكل التي لم يعرف طريقًا لحلّها بعد، بل لا زالت تواجه النظام الجديد العديد من الأزمات التي تتفاقم، والتي يظهر أن إيجاد الحلول لها يتطلب من المجموعة الحاكمة الخروج من ذهنية المليشيا إلى ذهنية القيادة الحكيمة، المفروض عليها التعاطي بحكمة وبسياسة مختلفة عن السابق.
سوريا المفككة: صعود سيناريو التقسيم
كما أن سوريا قد بدت وكأنها دولة مقسمة إلى دويلات، وبدأت تتعالى أصوات التقسيم والفدرالية، وبذلك يرى الكثيرون أن سوريا ذات نظام الحكم المركزي قد انتهت، واليوم توجد سوريا المفككة غير المترابطة والتي لا يوجد فيها نظام حكم مركزي قوي قادر على توحيد سوريا بعد ما عانته من حروب وأزمات.
أي إن سوريا تواجه اليوم أزمة وجودية:
في الجنوب احتلال إسرائيلي ومنطقة تعيش حكمًا انفصاليًا عن المركز “المنطقة الدرزية”.
في الشرق والشمال نظام حكم قوات قسد ذات الغالبية الكردية.
في الوسط تململ من الأقلية المسيحية.
إضافة إلى وجود توترات لا زالت متفاقمة في الساحل من الأقلية العلوية أيضًا.
وبذلك، وعلى الرغم من وجود أكثرية سنية، إلا أنها لم تقم بما ينفع ويفيد سوريا من تأسيس نظام حكم رشيد، بل وكأن قدر سوريا محكوم بقدر الابتلاء بأزمات حكم تتخلص من ديكتاتورية أقلوية لتدخل في نظام ديكتاتورية أكثرية تحاول الانتقام من مجموع الأقليات الأخرى.
الحاجة إلى حكم تشاركي عادل
إذاً، على الرغم من الدعم الإقليمي والدولي للنظام الوليد، إلا أن ما يواجهه وتواجهه سوريا من أزمات ومشاكل يتخطى كل ذلك الدعم، والذي يفترض من النظام الحالي تغييرًا جذريًا في طريقة الحكم والارتقاء إلى نظام حكم تشاركي أكثر ديمقراطية وأكثر فعالية في ممارسة الحكم مع بقية أطياف المجتمع السوري وبمختلف أطرافه، حتى يتخطى الأزمات الموجودة ويقيم نظام حكم رشيد وعادل يستفيد من الاحتضان العربي والدولي والإقليمي الموجود حاليًا، لينتقل بسوريا إلى نظام عادل يسير بها إلى غدٍ أفضل لكل أطياف الشعب السوري.

