عاد الحديث عن ما يُعرف بـ“مشروع ترامب للمنطقة الاقتصادية على الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية” إلى الواجهة بعد طرحه بشكل غير مباشر خلال اجتماع آلية الميكانيزم في الناقورة بتاريخ 3 كانون الأول الحالي.
الطرح بدا أشبه بملامح مبادرة تريد واشنطن اختبارها على خط التماس الأكثر حساسية في الشرق الأوسط: تحويل الحدود المتوترة إلى فضاء اقتصادي–أمني يخفض احتمالات الحرب، ويُنتج تدريجيًا مقاربة مختلفة لإدارة الجنوب.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل هذه الفكرة قابلة للحياة أم أنها مجرد ورقة ضغط جديدة؟
فكرة المشروع: اقتصاد بغطاء أمني
يقوم التصور الأميركي، كما تسرب عبر قنوات دبلوماسية وإعلامية، على إنشاء منطقة اقتصادية حدودية تسمح بحركة مشاريع مدنية وتنموية محدودة، على أن تكون خاضعة لضوابط أمنية مشددة تُشرف عليها جهات دولية.
الهدف المعلن هو خلق مصالح ميدانية مشتركة تجعل العودة إلى التصعيد العسكري أقل احتمالاً، فيما الهدف غير المعلن هو تغيير البيئة الأمنية في الجنوب عبر تحجيم دور السلاح غير الرسمي في منطقة تعتبرها واشنطن وتل أبيب مصدر توتر دائم.
المشروع، بهذا المعنى، ليس خطة اقتصادية بحتة، بل أداة هندسة أمنية مغلفة بخطاب تنموي.
اجتماع الناقورة: أول اختبار سياسي للفكرة
اجتماع الميكانيزم الأخير شكّل أول محطة يُطرح فيها الموضوع بشكل عملي.
فاللقاء جمع ممثلين لبنانيين وإسرائيليين بغطاء أميركي وحضور مدني هو الأول من نوعه منذ سنوات، ما أعطى الانطباع بأن واشنطن تختبر مستوى قابلية الأطراف لـ التفكير في تعاون اقتصادي محدود قبل الدخول في أي مسار سياسي أكبر.
لبنان، من جهته، تعامل بحذر شديد.الوفد الرسمي أكد أن ما يجري ليس مفاوضات سياسية ولا مدخلًا للتطبيع، وأن أي تعاون اقتصادي لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل سلام شامل يرفع صفة “العدو” عن إسرائيل، وهو أمر غير مطروح في الوقت الحالي.
لكن مجرد طرح الفكرة في اجتماع رسمي يُعد تحولًا مهمًا في منهج مقاربة الأزمة الحدودية.
لماذا الآن؟ الحسابات الأميركية والإسرائيلية
منذ وقف النار، تدرك واشنطن أن الاستقرار الأمني لا يمكن أن يعيش بلا حوافز ميدانية تجعل السكان المحليين أكثر مصلحة في الهدوء منه في التصعيد. المنطقة الاقتصادية تُطرح كأداة “تحصين يومي” لوقف النار.
كما ان المشاريع الاقتصادية المشروطة ببيئة آمنة تُعتبر بالنسبة للأميركيين وسيلة غير مباشرة لدفع الجنوب نحو تنظيم صارم للسلاح وفرض حضور أكبر للدولة اللبنانية جنوب الليطاني.
فالفكرة ليست مشروع سلام، بل بالون اختبار: هل يمكن للطرفين القبول مدنية مشتركة؟ وهل يُمكن تكرار نموذج مشابه لمفاوضات ترسيم الحدود البحرية التي قادتها واشنطن؟
في لبنان: بين الحذر والرفض والواقعية القسرية
البيئة الداخلية اللبنانية تنظر إلى الطرح من زوايا متعددة، فهي تعتبر أن أي مشروع يضخّ مالاً واستثمارات ويعزز حضور المؤسسات الرسمية قد يساعد الجنوب اقتصاديًا بعد سنوات من الإهمال والحرب.
قوى أخرى تخشى من بوابة تطبيع، وتعتبر أن المنطقة الاقتصادية قد تتحول إلى ممر سياسي لا يقل خطورة عن أي اتفاق أمني، وأنه سيُستخدم لفرض تنازلات تدريجية على لبنان.
وبالنسبة للشارع الجنوبي، يبدو أي حديث عن مشاريع تشغيلية مغريًا من حيث المبدأ، لكن المزاج العام يبقى رافضًا لأي خطوة تحمل طابع التقارب مع إسرائيل.
الواقعية العملية: هل المشروع قابل للتحقق؟
استنادًا إلى المعطيات الحالية، يبدو أن المشروع يصطدم بعوائق كبيرة، اهمها، غياب التسوية السياسية عن اي منطقة اقتصادية مشتركة تتطلب خفضًا جوهريًا في مستوى العداوة بين لبنان وإسرائيل، وهو أمر غير متوفر حاليًا.
وكذلك وجود تعقيدات الأمن في الجنوب وجود بنى عسكرية غير رسمية يجعل إقامة منطقة اقتصادية “مضبوطة أمنيًا” أمرًا شبه مستحيل من دون اتفاق سياسي كبير.
اضافة الى هشاشة الدولة اللبنانية ماليًا وإداريًا، فتنفيذ مشاريع حدودية يتطلب قدرة حكومية على الإدارة والرقابة، وهو ما لا تمتلكه الدولة في الظروف الراهنة.
والمحصلة، فان غياب قبول داخلي واضح عن اي خطوة اقتصادية مع إسرائيل تُعدّ محفوفة بتكلفة سياسية عالية، وقد تواجه اعتراضات شعبية وفصائلية واسعة.
مع ذلك، لا يُستبعد أن تدفع واشنطن باتجاه خطوات صغيرة جدًا — تحسينية ومحدودة — لا ترقى إلى مستوى “منطقة اقتصادية”، بل تشكّل مقدّمات تقنية تُستخدم لاحقًا في حالة تبدل الظروف.
مشروع ترامب..فكرة للاختبار لا للتنفيذ الفوري
“المنطقة الاقتصادية” على الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية ليست مشروعًا واقعيًا في المدى المنظور، لكنها أداة سياسية تستخدمها واشنطن في إدارة النزاع ومحاولة تثبيت وقف النار.
هي ورقة تفاوضية أكثر مما هي خطة قابلة للتنفيذ، ورسالة ضغط ناعمة على لبنان بأن الاستقرار لن يكون مجانيًا، وأن إعادة الإعمار في الجنوب ستكون جزءًا من معادلة سياسية أكبر.
في المحصلة، ما طُرح في الناقورة هو بداية اختبار..لا بداية مشروع.

