البابا وبروتوكول بعبدا.. الهوة بين عون وجعجع تتسع

جوزاف عون وسمير جعجع

ثلاثة أيام سريعة مرّت على لبنان، بعضها تحت المطر وبعضها الآخر في جو خريفي ملبّد بالغيوم. إلا أن الغبار الذي انقشع بعد مغادرة الحبر الأعظم البابا لاوون الرابع عشر بيروت تؤكد أن الشتاء لا بد آت، وسيتخلله الكثير من العواصف الداخلية وخاصة بين المكونات المسيحية داخل المجتمع اللبناني. فعوضًا عن أن تكون زيارة البابا فرصة لإرساء مصالحات حقيقية وتوحيد الصف المسيحي أولًا حول عناوين وطنية جامعة، ثمة من أراد أن يستأثر بالمناسبة ويستغلها سياسيًا، ظنًا منه أنه سيكون قادرًا على استثمارها لمصلحة لبنان في المحافل الدولية، متجاهلًا، عن قصد أو عن غير قصد.

انطلاقًا من ذلك، باتت زيارة البابا لاوون الرابع عشر الى لبنان زيارة حج رعوية لرأس الكنيسة الكاثوليكية يتفقّد فيها أبناءه في بقعة ملتهبة في العالم، أكثر منها زيارة رسمية لرئيس دولة الفاتيكان المؤثّرة على الساحة الدولية لدولة صديقة تربطها بها علاقات تاريخية متجذّرة.

ومن هذا المنطلق، لم يكن مفهومًا أو مقنعًا التوضيح الصادر عن رئاسة الجمهورية لعدم دعوة رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع للمشاركة في مراسم استقبال البابا في القصر الجمهوري، بحجة أن البروتوكول لا يسمح بذلك، لأن الدعوات وُجهت الى النواب والوزراء فقط، وليس الى رؤساء الأحزاب. فالكل يعلم، يا أصحاب البروتوكول في القصر، أن البروتوكول مثل “الفاخوري” الذي يمكنه أن يركّب أذن الجرّة بالطريقة التي يراها مناسبة، على غرار دعوة رؤساء الكتل النيابية مثلًا أو غيرها من المخارج التي يعرفها المنظمون أكثر من غيرهم.

إقرأ أيضا: كلام في السياسة مع بابا الفاتيكان

فبأي منطق يتم منع رئيس أكبر كتلة في المجلس النيابي، ورئيس أكبر حزب مسيحي، وأكبر كتلة نيابية ووزارية مسيحية، والحائز حزبه على أعلى نسبة اقتراع مسيحية في الانتخابات البلدية والاختيارية، وحتى في الانتخابات الطالبية والنقابية، من استقبال البابا الذي جاء أولًا للقاء المسيحيين في لبنان.

ماذا سيقول “منظرو بعبدا” لأكثر من 190 ألف مواطن مسيحي وعائلاتهم بعدما وضعوا ثقتهم في حزب “القوات اللبنانية” واقترعوا للوائحه في الانتخابات النيابية الاخيرة، علمًا ان الإحصاءات الحديثة تؤكد أن الانتخابات المقبلة المرتقبة في أيار المقبل (في حال حصولها) ستشهد تقدمًا في أعداد المقترعين لحزب “القوات”. فهل أن حجة البروتوكول ستنطلي على نحو نصف مليون مسيحي حُرِم زعيمهم من لقاء قداسة الحبر الأعظم لعرض هواجس المسيحيين في لبنان عليه.

أما الخطأ الثاني، غير البروتوكولي بالطبع، فهو عدم مسارعة سيّد بكركي الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الى تصحيح الخطأ الأول الذي اقترفته دوائر بعبدا، بإدخال تعديل طفيف على برنامج زيارة الحبر الأعظم يتضمن لقاءً بعيدًا عن الإعلام بين قداسة البابا والأقطاب المسيحيين في الصرح البطريركي، للبحث في شؤون وشجون الطوائف المسيحية في لبنان. فالبطريرك الراعي الذي يدرك جيدًا الحساسيات التي غالبًا ما تبلغ حدّ الخصومات بين أقطاب الموارنة، لم يحاول استغلال زيارة قداسة البابا لمحاولة تنفيس الاحتقان وإزالة الأحقاد المزمنة بين قادة المكوّنات المسيحية، فيما سعى في المقابل الى إعطاء زيارة البابا بعدًا وطنيًا أكثر منه طائفيًا.

في المحصلة، لم يعد من شك في أن مرحلة ما بعد زيارة البابا لاوون الرابع عشر للبنان لن تكون كما قبلها، لأن الهوّة بين بعبدا ومعراب تتّسع، لدرجة قد تكون بلغت حدًا لم يعد ردمها ممكنًا. فكما لم تقتنع دوائر القصر بأن لا دخل للقوات بما أثاره الرئيس جوزاف عون عن وشاية على الحكومة في واشنطن، لم تقتنع دوائر معراب بالأسباب البروتوكولية التي حالت دون توجيه دعوة لجعجع لاستقبال البابا، ملمّحة الى أن “القضية ليست رمّانة بل قلوب مليانة”.

إقرأ أيضا: الصفعة التاريخية.. نهاية عهد النفوذ الاحادي و بزوغ لبنان المسيحي من الرماد

لذلك، وبعد اتساع الهوّة بين قطبي الموارنة، وانطلاقًا من الحرص على مسيرة العهد وهو في أواخر عامه الأول، بات من الضروري أن يستشعر بطريرك الموارنة الخطر المحدق ويتحرّك سريعًا حتى لا يعيد التاريخ نفسه، وإن بطرق ووسائل مختلفة.

فهل يصلح العطّار ما أفسده “الوشاة” قبل فوات الأوان، أم أن الجرّة قد انكسرت بين الطرفين، ودخل الموارنة مجدّدًا في حرب إلغاء سياسية لا بد أن تكون نتائجها مدمّرة.

السابق
كلام في السياسة مع بابا الفاتيكان
التالي
العلامة الحاج: نتمنى ان تكون زيارة البابا لتوحيد الجهود وبناء لغة الحوار