ايران تتلقّف «اغتيال الطبطبائي» لإحياء «وحدة الساحات»: هل اقتربت الحرب الكبرى؟

الشيخ نعيم قاسم

منذ اللحظة الأولى لاغتيال رئيس أركان “حزب الله” هيثم الطبطبائي في الضاحية الجنوبية، بدا واضحاً أنّ الحدث يتجاوز معناه الأمني الضيق ليتحوّل إلى مفصل استراتيجي يعيد خلط الأوراق داخل محور المقاومة. فالرجل الذي يُعدّ من أخطر عقول الجهاز العسكري للحزب، وصاحب سجلّ قتالي امتدّ بين سوريا واليمن، شكّل مقتله فرصة مثالية لطهران و”حزب الله” من أجل إنهاء مرحلة الهدوء النسبي التي تلت اتفاق وقف النار مع إسرائيل، والانتقال إلى معادلة جديدة تُعيد تنظيم المحور وتعبئة ساحاته استعداداً للجولة المقبلة من المواجهة الإقليمية.

قاسم واماني: رؤية استراتيجية جديدة

خطاب الشيخ نعيم قاسم جاء متناغماً مع هذا التوجّه. فإلى جانب وصف الاغتيال بأنّه “اعتداء سافر”، شدّد على “حقّ الحزب في الردّ”، لكن البعد الأهم كان إعلانه دخول لبنان مرحلة جديدة، وان نطاق اتفاق وقف اطلاق النار يشمل جنوب نهر الليطاني فقط، وإشارته إلى أنّ الدولة أصبحت معنيّة بـ“طرد الاحتلال” ونشر الجيش. هذا الربط بين الاغتيال وبين إعادة تعريف الدور الداخلي للدولة ليس تفصيلاً عابراً، بل يعكس رؤية جديدة للحزب تعتبر أنّ مرحلة ما بعد الهدنة لا يمكن أن تستمرّ بالمعادلات نفسها، وأنّ الردّ على الاغتيال قد يشكّل المدخل الطبيعي لإعادة هندسة موقع الحزب داخل المعادلة اللبنانية والإقليمية.

هذا التوجّه نفسه ظهر بوضوح في كلام السفير الإيراني مجتبى أماني، الذي لم يكتفِ بالتضامن التقليدي بل أشار صراحةً إلى أنّ تصريحات قاسم تعبّر عن “تغيير في الرؤية الاستراتيجية” للحزب. بالنسبة لإيران، لم يكن اغتيال الطبطبائي مجرد ضربة عسكرية، بل فرصة ثمينة لإعادة فرض أجندتها الإقليمية في لحظة حرجة تتزايد فيها المؤشرات على قرب اندلاع مواجهة واسعة بين إسرائيل وطهران. وما قاله أماني عن أنّ الاغتيال وقع في قلب الضاحية وأن المستهدف هو أحد أرفع القادة العسكريين للحزب، وعن كونه خرقاً لمعادلة استمرت عاماً كاملاً، يكشف بوضوح أنّ طهران تنظر إلى العملية باعتبارها الذريعة التي تسمح لها بإعادة تفعيل أدواتها الإقليمية تحت “غطاء مشروع” لا يمكن لأحد الطعن فيه.

عودة وحدة الساحات

في هذا السياق، تعود إلى الواجهة نظرية “وحدة الساحات” التي كان الأمين العام السابق للحزب حسن نصرالله قد أطلقها قبل اغتياله العام الماضي. ورغم أنّ المحور تلقّى ضربات موجعة خلال العامين الماضيين، خصوصاً بعد خسارة العمق السوري مع سقوط نظام بشار الأسد، فإنّ طهران تبدو مقتنعة اليوم بأنّ إعادة لملمة ساحات النفوذ—من لبنان إلى العراق واليمن وغزة—باتت ضرورة وجودية قبل أن تبادر إسرائيل إلى شنّ الجولة الثانية من حربها ضد إيران. ومن هنا، يصبح اغتيال الطبطبائي الشرارة المناسبة لإعادة بناء تماسك المحور وتعبئته، خصوصاً أنّ الرأي العام داخل بيئة الحزب بات بحاجة إلى حدث كبير يعيد توازن المعنويات بعد سنة من الجمود.

بالنسبة لإيران، لم يكن اغتيال الطبطبائي مجرد ضربة عسكرية، بل فرصة ثمينة لإعادة فرض أجندتها الإقليمية في لحظة حرجة تتزايد فيها المؤشرات على قرب اندلاع مواجهة واسعة بين إسرائيل وطهران.

إسرائيل بدورها قرأت الرسائل باكراً، فتفويض وزير الدفاع الاسرائيلي أمس باستدعاء 280 ألف جندي احتياط خلال الشهرين المقبلين ليس مجرد خطوة احترازية، بل يعكس إدراك تل أبيب بأنّ المحور يتّجه إلى إعادة ربط ساحاته، وأنّ الردّ المتوقع على اغتيال الطبطبائي لن يكون رمزياً، بل جزءاً من سلسلة مترابطة تسبق المواجهة الكبرى. إسرائيل، التي تعتبر أنّ اغتيال الطبطبائي يشكّل ضربة استباقية ضرورية، تعرف أنّ أيّ ردّ من الحزب سيُحتسب ضمن ميزان المواجهة مع إيران لا ضمن سياق لبناني محض، ولذلك تتصرّف كأنّ المنطقة دخلت فعلياً مرحلة ما قبل الحرب.

اعادة تنظيم محور الممانعة

ضمن هذه الصورة المتشابكة، يبدو أنّ اغتيال الطبطبائي لم يكن مجرد “عملية ناجحة” بالنسبة لإسرائيل أو “اعتداء سافر” بالنسبة للحزب، بل الذريعة المطلوبة لإيران كي تعيد تنظيم محور المقاومة من دون أن تبدو هي من أطلق شرارة التصعيد. الاغتيال أتاح للحزب استعادة موقعه ضمن المعادلة الإقليمية، ووفّر لطهران المبرّر السياسي والشعبي لربط الساحات مجدداً تحت عنوان الردّ على استهداف أحد أبرز قادتها في المنطقة.

وهكذا، يجد لبنان نفسه مرة جديدة عند مفترق خطير، محور يستعد لإعادة تشغيل «وحدة الساحات»، وإسرائيل تتحسّب لحرب مقبلة، ودولة لبنانية مقحمة في معادلة تفوق طاقتها وقدرتها. وبين هذا وذاك، يبقى المؤكّد أنّ المحور يريد افهام اعدائه وحلفائه، ان ما بعد اغتيال الطبطبائي ليس كما قبله، وأنّ المنطقة كلها دخلت مرحلة ما قبل الانفجار، حتى لو تأخّر موعده.

السابق
وصول البابا لاوون الرابع عشر إلى حريصا: لقاء روحي جامع مع الأساقفة والرهبانيات والعاملين في الرسالة
التالي
جنبلاط يعلّق على كلام البابا: أفضل رسالة إلى دعاة الفدرالية وهواة التبشير بالحروب