يبدو أن إلغاء زيارة قائد الجيش إلى الولايات المتحدة الأميركية أثمر بشكل واضح، فما لبثت إلا أيام حتى خرجت تقارير إعلامية تعرض أنفاقًا لحزب الله في وادي زبقين جنوبي لبنان، ضمن جولة نسقها الجيش اللبناني بعد مضي سنة على “تحت الضوء” تجنبًا لاستفزاز البعض. وقد عرضت التقارير التلفزيونية الدخول إلى هذه الأنفاق وما تحتويه والطريق المؤدي إليها.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن هذا النفق هو واحد من أصل عشرات الأنفاق تمكن الجيش اللبناني، بالتعاون مع قوات اليونيفيل الدولية، من السيطرة عليها في جنوب لبنان. فيما سبق، كانت تحركات الجيش ومهامه العسكرية لا تخرج إلى العلن، لكن ما الذي دفع قيادة الجيش الآن إلى عرض هذه التقارير وتجاوز حاجز الحساسية، خاصة وأن أي كشف من هذا النوع قد يُقابل بردود فعل حساسة من مؤيدي حزب الله؟
بناء سردية مضادة!
عرض هذه التقارير الإعلامية يأتي في إطار دعم مبدأ “حصريّة السلاح للدولة”، وهي خطوة حساسة سياسيًا وعسكريًا، خصوصًا بعد وقف الحرب في 2024 واتفاق وقف النار. إظهار الأنفاق أمام الإعلام يبدو أنه يهدف أيضًا إلى كسب دعم شعبي داخلي وخارجي، لا سيما بين من يطالبون بحصر السلاح وتعزيز سلطة الدولة. من جهة أخرى، يشكّل الإعلان العلني رسالة واضحة للمجتمعين العربي والدولي بأن الدولة اللبنانية استعادت سيطرتها على الجنوب وتملك القدرة على التحكم في الوضع الأمني. وهكذا أعاد الجيش اللبناني بناء سردية مضادة لما تناولته المعلومات عن “تقصيره”، محولًا كشف الأنفاق إلى رسالة واضحة عن قدرة الدولة على ضبط الوضع الأمني في الجنوب.
لماذا الآن!
لكن هل تقف المسألة هنا؟! فمن الممكن أيضًا أن يكون خروج هذه الفيديوهات متوافقًا عليه بين الجيش وحزب الله، بهدف تخفيف الضغط السياسي والعسكري عن الطرفين في الوقت نفسه، في هذه اللحظة الحرجة التي يمر بها لبنان. فلماذا سمح الجيش بهذه التغطية الإعلامية تحديدًا في هذا الوقت؟ ألم يكن يستطيع فعل ذلك قبل عدة أشهر؟
تواطؤ ضمني!
ومن الواضح أن التغطية الإعلامية لم تثر أي رد فعل حاد أو صدام مباشر مع “بيئة الحزب” و”الأهالي”، ما يجعل هذا التحرك متوازنًا ويخدم مصالح الطرفين بشكل ضمني، فقد جاء هذا الكشف في لحظة عسكرية تهدد فيها إسرائيل بحرب على لبنان للقضاء على حزب الله، وفي خضم معلومات عن ضوء أميركي لإسرائيل، ورسائل وصلت إلى الدولة اللبنانية بأن إسرائيل ستتحرك في حال لم تتحرك الحكومة اللبنانية لسحب السلاح، والأهم ترافق هذه التغطية الإعلامية مع اغتيال القائد العسكري لحزب الله هيثم الطبطبائي، مع كل ما تحمله من دلالات وخلل في موازين القوة.

