“إنَّ المرءَ لا يستطيعُ أنْ يكونَ خائفاً، وهو يرى الأرزةَ تضحكُ للريح.”
في ذلكَ اليومِ الأغرِّ، حيثُ تَتَوَّجُ فرحةُ الاستقلالِ على جبينِ الوطن، لم يكنِ الأمرُ مُجرَّدَ عطلةٍ رسميةٍ تُسدلُ ستارَها على روتينِ الأيام، بل كانَ طقساً مقدساً تُضيئُ شموعَه فينا أيادٍ مُحبَّة. كانَ المنزلُ، لا حديقتُهُ وحسب، يتنفَّسُ عبيرَ الوردِ الذي انتقتهُ كفُّ الوالدةِ بحنانٍ يُضاهي عطرَ الياسمين، وكأنَّها تُرسلُ رسالةً بليغةً للوجود: هنا، يولدُ الفرحُ من ترابِ هذه الأرضِ الكريمة. لقد كانت تلكَ الأعلامُ الورقيةُ التي حملَها الوالدُ، وهو يعودُ بقالبِ الحلوى شاهداً على عذوبةِ المناسبة، ليستْ مجرَّدَ زينةٍ، بل أشرعةً صغيرةً تُبحرُ بطفولتِنا في محيطِ العزِّ والكرامة. وكنا أمامَ شاشةِ التلفازِ، نترقَّبُ وصولَ الرؤساءِ وبدءَ العرضِ العسكريِّ، تتأجَّجُ في صدورِنا الصغيرةِ نارُ الشوقِ لـ موسيقى النشيدِ التي تُحرِّكُ سكونَ التاريخ. ويا لجمالِ المشهدِ وهيليوكبتراتُ الجيشِ تحمِلُ العلمَ، بياضُهُ يرتعشُ في زرقةِ السماءِ كـ نقاءِ قلبِ الأمة، وحُمرتُهُ تُعلنُ عن ثورةِ الدمِ الذي رَوى جذورَ حريتِنا، والأرزةُ الخضراءُ تتوسَّطُ المجدَ كـ سرٍّ خالدٍ بينَ السماءِ والأرض. كانت تلكَ الطائراتُ لا تُلقي أعلاماً فحسب، بل تنثرُ قصائدَ ورقيةً في فضاءِ بيروتَ، تُعيدُ صياغةَ هويتنا مع كلِّ رفةِ جناح. يقولُ ميخائيل نعيمة: “سِرْ في طريقِ الحياةِ بثقةٍ وإيمانٍ، ولا تخفْ من العواصفِ، فما هي إلاّ أوهامٌ، وإلاّ ذراتُ غبارٍ”.
لقد زرعَ الوالدانِ، وهما الموظفانِ الرسميانِ اللذانِ حَمَلا رسالةَ التعليمِ بأمانةٍ، فينا قِيَماً حاكمةً تُترجِمُ معنى الاستقلال. لكنْ، لم يكنْ صوتُ الوالدِ، وهو يُعيدُ صياغةَ الأحداثِ على مَسامِعِنا، مُجرَّدَ حديثٍ عابرٍ، بل كانَ ترتيلاً فلسفياً في محرابِ الحقيقةِ. فَهِمَ الوالدُ بحدسِهِ العميقِ أنَّ المُحتلَّ لم يكنْ يطمعُ في الأرضِ وحسب، بل كانَ يسعى جاهداً إلى تَسويةِ التاريخِ؛ أنْ يطمرَ أسماءَ الأبطالِ تحتَ ركامِ الإهمالِ والتعتيمِ. كانَ الوالدُ يقفُ كـ مؤذِّنِ الحقيقةِ، رافضاً أنْ تُكتَبَ سيرةُ الوطنِ بمدادِ الغريبِ. يُصوِّبُ لنا الرؤيةَ، وكأنَّهُ ينفُضُ الغبارَ عن لافتاتِ الشرفِ التي حاولَ الانتدابُ إزالتَها.
كان الأبُ يهمسُ لنا ببطولاتٍ منسيةٍ، مؤكداً أن الاستقلالَ لم يكنْ عطيَّةً من طاولةِ مفاوضاتٍ فحسب، بل هو نتاجُ صرخاتِ أبطالٍ لم تُذكر أسماؤهم بما يليقُ بهم. هل تعلمونَ أنَّ بطلَ معركةِ المالكيةِ عام 1948، والذي قادَ جيشَ الإنقاذِ بشجاعةٍ منقطعةِ النظيرِ، هو النقيبُ محمد زغيب؟ هو بطلٌ من أرضِ البقاعِ، من يونين، وقفَ في وجهِ المخططِ الصهيونيِّ، ليسَ ضدَّ الفرنسيينَ مباشرةً وحسب، بل ضدَّ من كانَ يهددُ وجودَنا. صرختُهُ الأخيرةُ في المالكية: “لا تتركوا المالكية، دافعوا عنها”؛ كانتْ هيَ صرخةَ الأرزةِ في مهبِّ الريح. لقد رَوى بدمِهِ أرضاً لم يذكرْها التاريخُ الرسميُّ بما يكفي. ولا تنسوا معروف سعد، القائدُ الصيداويُّ الناصريُّ الذي لم يرضخْ لـ إطارِ العصبياتِ، ذلكَ الذي اعتُقلَ في سجنِ راشيا قبلَ أشهرٍ من تاريخِ الاستقلالِ الرسميِّ! هل يُعقلُ أنْ يُصنَعَ الاستقلالُ، ويُغيَّبَ صانعوه؟ هو القائدُ الذي اقتحمَ القشلةَ في صيدا مُناجزاً المحتلَّ الفرنسيَّ بـ إرادةٍ أصلبَ من رصاصاتِه، ولم ينسَ فلسطينَ حينَ حملَ سلاحَهُ وتوجهَ للجهادِ عام 1948. أما الجنوبُ، جبلُ عامل، فهو قلبُ المقاومةِ النابضُ، كيفَ يمكنُ أنْ ننسى أدهم خنجر، الثائرُ الذي قادَ حركةَ المقاومةِ ضدَّ الفرنسيينَ في العشريناتِ ونسَّقَ مع سلطان باشا الأطرش، وحُكمَ عليهِ بالإعدامِ! و صادق حمزة الفاعور، أحدُ قادةِ مؤتمرِ وادي الحجيرِ الشهيرِ لمواجهةِ الانتدابِ. يُذكِّرُنا الوالدُ ببطولةِ الجيشِ اللبنانيِّ في معركةِ المالكيةِ، ثمَّ ينتقلُ ليُضيءَ على جُرحِ معروفِ سعدٍ، ثم يذكرُ محمد بك الفضل في النبطيةِ، مُجسِّداً أنَّ رجالاتِ الاستقلالِ كانوا أوتاداً ضاربةً في عمقِ الأرضِ، مؤكداً أنَّ دورَ هؤلاءِ الأبطالِ غالباً ما يكونُ مهمشاً في السردِ الرسميِّ، لكنَّهُ محفوظٌ في ذاكرةِ الأرضِ والناسِ.
كانتْ الأنشطةُ في المنزلِ بمثابةِ مدرسةٍ منزليةٍ عُليا في فنِّ الانتماءِ. وكنا أمامَ الوالدةِ وهي تُحلِّلُ لغةَ الألوانِ في العلمِ: البياضُ الذي يوازي الأحمرينِ علواً وسفلاً، والأرزةُ التي تُلامسُ حُمرةَ السموِّ بجذرِها ورأسِها، لترسخَ في الذهنِ حقيقةٌ فلسفيةٌ مفادُها: التساوي والعدلُ هما نِصفُ الاستقلالِ المُتمِّمُ لِنِصفِهِ الآخرِ، وهو الأمانُ والشموخ. لقد غَرَسَ فينا الوالدُ أنَّ الاستقلالَ هو أيضاً انفكاكٌ عن روايةِ المُستعمِرِ، وأنَّ حُبَّ الوطنِ الحقيقيَّ يكمنُ في إجلالِ الذينَ دفعوا الفاتورةَ الباهظةَ لِـ “كلنا للوطنِ”. كانتْ فرحتُنا تتجسَّدُ في التبولةِ والمشاوي، وفي فرحةَ الابتسامةِ التي تَعلو وجوهَ الجيرانِ عندَ توزيعِ الأعلامِ، وفي فرحةَ السلامِ على عناصرِ الجيشِ اللبنانيِّ، حامي الديار، الذينَ غرسوا في قلوبِنا الشعورَ بالرجاءِ والأمان. يقولُ جبران خليل جبران: “لأنّكم عائشون، تظنُّونَ أنَّكُم خالدون. ولكنَّكم ستموتون، وبعدَ الموتِ تبدأُ الخلودَ”.
ولقد كانتْ تلكَ الأيامُ، يا لبنان، ليستْ ذكرياتٍ عابرةً، بل عُمداً إيمانيةً زرعها الوالدُ والوالدةُ في تُربتِنا الطفوليةِ الطاهرة. ففَهِمْنا أنَّ رفعَ العلمِ ليسَ فخراً طارئاً، بل استمراريةٌ لملحمةٍ أزليةٍ. عندما كنا نركضُ في حقولِ الزيتونِ، وأعلامُنا الصغيرةُ ترفرفُ فوقَ رؤوسِنا، لم نكنْ نركضُ وحيدينَ، بل كنا نعانقُ الريحَ ونُنشدُ للوطنِ مع تراقصِ الزيتونِ المباركِ وتهليلِ طيورِ السنونو التي تُعلنُ عن حُريتِها في الأجواء. إنَّ الاستقلالَ ليسَ يوماً في التقويم، بل هو حالةُ وجودٍ دائمةٌ وشُموخٌ مُتجدِّدٌ، نراهُ في كلِّ رَسمٍ صحيحٍ للعلم، وفي كلِّ تحيةٍ تُلقى على جنديٍّ، وفي كلِّ قصةٍ ترويها الأجيالُ عن رجالاتِ الأمس. يقول ميخائيل نعيمة: “هبوا لبعضكم نوراً وكنوزاً، فإنَّ الحياةَ قصيرةٌ، والعالمَ عطشانٌ إلى المحبةِ”. هكذا ورثنا المجدَ، وهكذا نُسلِّمهُ: علماً مرفوعاً في سماءِ القلبِ، وعهداً صادقاً بينَ صَوتِ النشيدِ وصَدَى الوجدانِ اللبنانيِّ الأصيل، ليُرفرفَ دائماً على إيقاعِ الميثاقِ العظيم: “كلنا للوطنِ، للعلى، للعلم”.

