فضيحة وزارة الاتصالات: استرجاع 40 مليون دولار..والباقي أعظم!!

وزراء الاتصالات

إن القرار النهائي الصادر بالأمس عن غرفة الرئيس القاضي عبد الرضا ناصر في ديوان المحاسبة يعتبر سابقة تاريخية في التصدي للمرة الأولى لفساد الوزراء والطبقة السياسية في لبنان. غير أنه لا يشكل في الحقيقة والواقع والحجم إلا “الجزء الظاهر والبسيط جداً جداً من جبل الجليد” لعمليات السرقة والفساد والصفقات الفاسدة والمشاريع الوهمية والاختلاسات المالية والنهب المنظم والمدروس والتنفعيات للشركات الخاصة والشخصية والعائلية والحزبية والمحسوبيات والأصدقاء، وتحقيق العمولات الضخمة جداً جداً على حساب واردات قطاع الخليوي، التي بدأت مع بدء العام ٢٠١٢ بعد التعديل البنيوي الجذري المتعمد والمقصود الذي أدخله وزير الاتصالات نقولا صحناوي على هيكل عقد التشغيل والإدارة لشبكتي الخليوي في بداية عام ٢٠١٢، وذلك خلافاً لكل ما جاء في مضمون ومندرجات ومقتضيات القرار رقم ١ الذي اتخذته حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الثانية في جلستها المنعقدة في القصر الجمهوري يوم الثلثاء تاريخ ٢٠١٢/١/٣١.

التعديل الجوهري… الجريمة الفعلية التي فتحت أبواب الفساد

إن هذا التعديل هو الجريمة الفعلية التي ارتُكِبَت بيد وزير الاتصالات نقولا صحناوي بحق قطاع الخليوي في لبنان، وفتح باب كل الموبقات.

وهو نقطة البداية في انفلات الفساد والسرقات المجنونة لواردات المال العام المحقق في قطاع الخليوي.

وهو أصل الشرور الذي بدأ عنده كسر كل أقفال أبواب الحوكمة النزيهة والإدارة الحسنة والإنفاق الرشيد في هذا القطاع.

وهو الذي ألغى كل التدابير الاحترازية ووسائل الحماية التي كانت معتمدة لحماية المال العام المتأتي من واردات الخليوي.

فكان هذا التعديل عنواناً للباطل الوقح الذي أراده عامداً الوزير نقولا الصحناوي، بالرغم من محاولة إلباسه قسراً ثوب الحق والإصلاح تحت ذريعة وضع آلية صارمة لضبط وتصحيح ومراقبة مصاريف التشغيل Opex ومصاريف الاستثمار Capex (كتاب الوزير نقولا صحناوي رقم ٥٥٢/أ/و تاريخ ٢٠١٢/١/٢٧)، وذلك بنقلها بالكامل من دائرة صلاحيات ومسؤوليات الشركات المديرة والمشغلة لشبكتي الخليوي لتصبح ضمن الصلاحيات “الملكية” الواسعة و”المطلقة” لمعالي الوزير صحناوي، دون أية سقوف مالية، ودون أية قواعد تنفيذية ضابطة، ودون أية رقابة تدقيقية، وبتجاوز لجميع آليات قانون المحاسبة العمومية، وبالتفاف ممنهج على أصول الرقابة المسبقة في إنفاق المال العام.

ففتح الوزير نقولا صحناوي باباً مشرعاً على مصراعيه للسرقة والتنفع والنهب والعمولات والتزوير في حجم الأشغال والإنفاق والتسيب في صرف المال العام والنهب منه، ليس له مثيل في أي مرفق عام آخر. وقمت أنا شخصياً في حينه بتوجيه كتاب خطي له ولرئيس الحكومة يلفت النظر إلى النتائج السلبية العارمة التي سوف تنتج عن هذا التعديل. دون أي جواب.

والغريب أن هذا الواقع ما زال مستمراً لغاية اليوم. وربما أسوأ.

منظومة الاستشاريين وإلغاء اللجان… تمهيد للنهب والتسيّب

فقد أدى التعديل المسموم في عقدي الخليوي، والذي قرره متعمداً الوزير نقولا صحناوي، ومستشاروه السادة: كريم قبيسي وأنطوان حايك وفراس أبي ناصيف وعصام إسماعيل وأنطوان البستاني وموسى خوري (الذي أعدَّ شخصياً العقد المعدّل ووقعه بالأحرف الأولى MK)، إلى إخراج مسؤولية التقرير في جميع عمليات الإنفاق على أعمال التشغيل والاستثمار والتطوير والتحديث والمشتريات وأكلاف التشغيل (بما فيها الرواتب والتعويضات وعدد الموظفين) من إطار مسؤولية الشركتين المتعاقدتين لإدارة وتشغيل شبكتي الخليوي ووضعها مباشرة تحت الإرادة المطلقة والواسعة لشخص وزير الاتصالات منفرداً، دون أية رقابة مسبقة، وعلى قاعدة الاتفاقات بالتراضي، دون استدراجات عروض أو مناقصات محلية أو دولية، ودون أية سقوف مالية، ودون مشاركة أي جهاز إداري أو تقني من أجهزة وزارة الاتصالات أو شركتي الخليوي، مع إقرار تنفيذ صرف النفقات مباشرة من الواردات الخام لشركتي الخليوي، ودون لجان استلام تقنية أو إدارية.

سيما وأن الوزير نقولا صحناوي كان قد قام في وقت سابق، تمهيداً لتحقيق الأهداف الخبيثة لهذا التعديل، بإلغاء لجنة “دراسة الاستثمارات في الخليوي” GSM Capex Committee، وإقالة رئيسها المهندس الكفوء والنزيه والخبير في شبكات الاتصالات الخليوية منذ عام ١٩٩٥ السيد ألان آميل باسيل وأعضائها الخبراء السادة: الدكتور المهندس مجيد عبد الرحمن، الدكتور المهندس خالد مواس، المهندس مازن عسيران، الأستاذة سينتيا أبو مارون، والمهندس أنطوان عون.

فأدى هذا التعديل، منذ اللحظة الأولى، وتحقيقاً للهدف الذي أعد خصيصاً من أجله، إلى انفجار النفقات التشغيلية والرأسمالية في قطاع الخليوي بشكل جنوني وغير متناسب مع حجم السوق وعدد المشتركين، وأدى بالتالي إلى تراجع صافي الإيرادات المتاحة للخزينة العامة رغم ارتفاع عدد المشتركين.

٨.٥ مليار دولار… النزيف الأكبر في تاريخ مؤسسة عامة لبنانية

لقد أدى عملياً هذا التعديل إلى فتح أبواب سرقة وهدر ونهب ما يتخطى مبلغاً صافياً يقدّر بحوالي ٨.٥ مليار دولار أمريكي من واردات الخليوي منذ عام ٢٠١٢ لغاية نهاية عام ٢٠٢٤، ذهبت إلى جيوب خاصة وجيوب شركاء في شركات خاصة وجيوب سياسية وحزبية. والنزيف مستمر.

إن قرار ديوان المحاسبة الصادر اليوم، على أهميته المعنوية والقانونية والتاريخية لجهة مساءلة الوزراء والسياسيين، لا يسترد من المهدورات المحققة من واردات قطاع الخليوي اللبناني إلا حوالي ٤٠ مليون دولار فقط من جبل من المال العام المسروق، والغاطس تحت الماء بحجم ٨.٥ مليار دولار أمريكي.

السابق
الخارجية المصرية: أمن لبنان واستقراره أولوية وندعم الجهود لنزع فتيل أي تصعيد محتمل
التالي
عيدٌ يُعانقُ الأزل: الأرزةُ، الذاكرةُ، وفلسفةُ الانتماءِ اللبناني