احتلت واجهة الأحداث المعلنة وغير المعلنة المتصلة بـ”حزب الله” لأيام خلت ثلاثة عناوين: الأول، العلاقات بين الحزب وبين حليفه رئيس حركة “أمل” الرئيس نبيه بري الذي بادر عبر موفد له متابعة الملف اللبناني مباشرة في طهران، في خطوة هي الأولى من نوعها. الثاني، اهتزاز العلاقات بين واشنطن ومؤسسة الجيش على خلفية نزع سلاح “حزب الله”. الثالث، شيوع نبأ احتمال ترشيح جواد، نجل السيد حسن نصرالله، لخوض الانتخابات النيابية العام المقبل.
فتور بين “أمل” والحزب… وزيارة مباغتة لطهران
في سياق متصل بالعنوان الأول حول العلاقات بين “أمل” و”حزب الله”، أوفد الرئيس بري معاونه السياسي النائب علي حسن خليل إلى طهران، حيث توالى الإعلام الإيراني منذ السبت الماضي الحديث عن لقاءات موفد بري وكأن الزائر هو الرئيس بري وليس معاونه السياسي. ولفت المراقبون إلى أن بري عندما أوفد النائب علي حسن خليل إلى إيران، أراد في الوقت نفسه إظهار موقفه المتقدم من “حزب الله” الذي بدا في الآونة الأخيرة وكأنه يمر بمرحلة فتور بينه وبين حليفه رئيس حركة “أمل”. وظهر هذا التراجع في العلاقة بين الحزب وبري واضحًا بعد “الكتاب المفتوح” الذي وجهه “حزب الله” إلى الرؤساء الثلاثة في السادس من الشهر الجاري، حيث أبدت أوساط بري تساؤلاً حول هذا الأسلوب من التخاطب الذي لم يراع خصوصية العلاقة مع رئيس المجلس.
انتهت زيارة موفد بري إلى طهران، لكن المعلومات حول نتائجها لم تتضح بعد، باستثناء تلميحات توحي وكأن الكلام عن تباين بين بري والحزب لم يرتقِ إلى مستوى الافتراق. وأتت إشارة إلى هذا الأمر في تلميح إعلامي اليوم وثيق الصلة بأوساط بري يقول: “تؤكد مصادر مطلعة أن الرئيس نبيه بري لم يفاجأ بالكتاب المفتوح الذي وجهه ‘حزب الله’ إلى الرؤساء الثلاثة، بل إنه اطلع عليه قبل ذلك ولم يعترض، بخلاف ما اعتبر كثيرون أن الكتاب أصاب بري قبل غيره، بل إن بري أفاد منه لإظهار الاعتراض الشيعي، وبالتالي تقدير أكبر لما يقوم به على صعيد القبول بالتفاوض مع إسرائيل”.
ظهر التراجع في العلاقة بين الحزب وبري واضحًا بعد “الكتاب المفتوح” الذي وجهه “حزب الله” إلى الرؤساء الثلاثة في السادس من الشهر الجاري، حيث أبدت أوساط بري تساؤلاً حول هذا الأسلوب من التخاطب
توتر أميركي – لبناني… وإلغاء غير مسبوق لزيارة قائد الجيش
يتناول العنوان الثاني اهتزاز العلاقات بين واشنطن ومؤسسة الجيش على خلفية نزع سلاح “حزب الله”. فقد ذهب موفد بري إلى طهران في خضم توتر لبناني حول كيفية مقاربة سلاح “حزب الله” الذي بدأ يشعل حريقًا في لبنان وخارجه، والذي بدأت ألسنة اللهب تتصاعد منه في الأنباء أمس حول إلغاء واشنطن زيارة قائد الجيش اللبناني العماد رودلف هيكل.
وأفادت المعلومات أنّ السبب المباشر لإلغاء الزيارة هو الاعتراض الأميركي على البيان الأخير للجيش اللبناني، الذي استعمل – بحسب الإدارة – للوم إسرائيل واعتبارها المشكلة، وعدم لوم حزب الله، في وقت تُعتبر فيه إسرائيل حليفًا أساسيًا للولايات المتحدة التي تقدم الدعم الأكبر للمؤسسة العسكرية اللبنانية. وقد أشعل هذا البيان غضبًا لدى عدد من أبرز أعضاء الكونغرس، وفتح نقاشًا داخليًا حول مستقبل المساعدات للبنان.
وأظهرت تداعيات إلغاء زيارة قائد الجيش، وهو أمر غير مسبوق، أن الرسالة من وراء ذلك هي للسلطة السياسية وتحديدًا رئيس الجمهورية جوزاف عون الذي يدير المؤسسة العسكرية انطلاقًا من موقعه الدستوري، إضافة إلى أن عون هو من اختار هيكل لهذا المنصب. لكن ذلك لا يحجب المعلومات التي تشير إلى أن سلوك قائد الجيش لم يكن موضع قبول أميركي.
ومن المعلومات على هذا الصعيد، أشارت مصادر مطلعة إلى أن “الاجتماع الأخير بين قائد الجيش ومورغان أورتاغوس شهد توترًا ملحوظًا، بعدما اختصرت أورتاغوس اللقاء إثر تكرار هيكل عبارة ‘العدو الإسرائيلي’. كما أبدت انزعاجها من قرار تمديد مهلة حسم ملف نزع السلاح لشهر إضافي من دون أي تقدم ملموس”. ولفتت المصادر إلى أن “الإدارة الأميركية لم تلمس أي تحول جدي في علاقة الجيش بـ‘حزب الله’ من شأنه أن يعزز سلطة الدولة، مثل وقف العمل ببطاقات المرور الخاصة التي تُمنح لعناصر الحزب على حواجز الجيش”.
السبب المباشر لإلغاء زيارة قائد الجيش لواشنطن هو الاعتراض الأميركي على البيان الأخير للجيش اللبناني، الذي استعمل لوم إسرائيل واعتبارها المشكلة، وعدم لوم حزب الله
في موازاة هذا التوصيف، أطلت أمس مقابلة حمل فيها الرئيس عون على “حزب الله” وإيران. وحتى إعداد هذا التقرير، لم يصدر عن رئاسة الجمهورية رد فعل على المقابلة التي حملت عنوان “الحزب انتهى عسكريًا وعهدي أن يكون الجيش مطلق اليدين في الجنوب وفي غيره”.
وجاء في المقابلة التي أجراها قاسم يوسف ونشرها موقع “أساس ميديا”: إن “الحزب بشقه العسكري انتهى. يأتون إليّ وهم يدركون هذا الواقع وهذه النتيجة، لكنهم يحرصون على نهاية مشرفة، وعلى مخرج لائق، وهذا تمامًا ما نسعى إلى إنجازه”. أضاف عون: “علي لاريجاني كان يجلس هنا. مكانكم. في هذه القاعة تحديدًا. سمع مني كلامًا قاسيًا جدًا. وقد بدا عليه التوتر الشديد: شيعة لبنان مسؤوليتي أنا، لا أنتم. مواقف من هذا العيار وأرفع جعلته يكتم توتره حتى اهتزت قدماه. ترك القصر مقبوضًا. ثم عاد وطلب موعدًا فلم أستقبله”.
وتعليقًا على المقابلة، ولا سيما ما يتصل بلاريجاني، دعت اليوم الأمانة العامة للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني إلى نشر التسجيل المصور الكامل للقاء لاريجاني والرئيس عون. ونقلت وكالة الطلبة الإيرانية (إيسنا) عن الأمانة قولها: “لا صحة لما تم تداوله بشأن مضمون لقاء أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني مع الرئيس اللبناني جوزيف عون”.
وسادت تكهنات بأن أزمة العلاقات بين واشنطن والجيش وتصريحات عون ستمهّد لتحول ما سيطرأ على موقف الرئاسة الأولى يترجم عمليًا بقرار حول المفاوضات بين لبنان وإسرائيل.
ترشيح جواد نصرالله… وجرس إنذار انتخابي
حول العنوان الثالث المتصل باحتمال ترشيح جواد، نجل السيد حسن نصرالله، لخوض الانتخابات النيابية العام المقبل في منطقة النبطية، تتحدث مصادر سياسية عن توتر يسود أوساط معنية في “حزب الله”، ولاسيما عند رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد الذي يتصدر نواب المنطقة التابعين للحزب.
وفي سياق متصل، أظهرت الانتخابات الأخيرة لنقابة المحامين في بيروت أن “حزب الله” صار في مرمى الاستهداف الانتخابي. ففي هذه الانتخابات التي جرت يوم الأحد الماضي وفاز فيها مرشح “القوات اللبنانية” بمنصب النقيب، وخسر المرشح المدعوم من ثنائي “أمل” و”حزب الله”، يقول محامون نشطوا في الانتخابات، إن هزيمة المرشح الذي قرر الثنائي التصويت له كانت نتيجة استهداف الحزب مباشرة. ويقول أحد هؤلاء المحامين: “قرر كثير من المحامين الذهاب إلى خيار ‘القوات اللبنانية’ فقط من أجل إلحاق الهزيمة بخيار حزب الله”.
أظهرت الانتخابات الأخيرة لنقابة المحامين في بيروت أن “حزب الله” صار في مرمى الاستهداف الانتخابي
الخلاصة، هي ان العناوين الثلاثة تؤدي إلى أن “حزب الله” دخل نفق أزمات ليست متصلة به وحده، بل تتصل أيضًا بكل من ينسج مع الحزب تحالفًا أو تفاهمًا كما هو حال رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري. ويتبين من وراء ذلك أن فترة السماح باعتماد أساليب تعامل يغلب عليها المهادنة قد شارفت على نهايتها. وستتضح الصورة أكثر فأكثر في ضوء ما سوف تتخذه الحكومة من اجراءات تضمن استمرار المبادرات الدولية، اثر إلغاء زيارة قائد الجيش لواشنطن، كما من المنتظر أن تتحدد أكثر نتائج زيارة موفد بري إلى طهران.

