إيران تربح في بغداد لتساوم في بيروت: ما وراء نتائج الانتخابات العراقية وانعكاساتها اللبنانية

جاد الاخوي

لم تأتِ نتائج الانتخابات العراقية الأخيرة كما كان يأمل رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، إذ تراجعت كتلته عن التوقعات المعلنة، وفشلت في تحقيق الأكثرية التي كانت تراهن عليها القوى الموالية له. المفارقة أن الفصائل الشيعية الأكثر ارتباطاً بإيران – وعلى رأسها “العصائب” و”الفتح” – حصدت مكاسب ملحوظة، ما أعاد تثبيت النفوذ الإيراني داخل المؤسسات العراقية بعد مرحلة ظنّ فيها البعض أن الشارع العراقي بدأ يتحرّر من سطوة طهران.

لكن هذه النتيجة لم تكن مجرد “تصويت داخلي”، بل انعكاس لتفاهمات إقليمية ودولية أوسع. فالمعادلة التي رُسمت بين واشنطن وطهران خلال الأشهر الماضية، وخصوصاً بعد تصاعد التوتر في الجنوب اللبناني، تبدو واضحة: إيران تُمسك مجدداً بالعراق مقابل التزام ضمني بتهدئة الساحة اللبنانية وحماية إسرائيل من انزلاق حرب مفتوحة.

إذا كانت إيران قد ربحت في العراق سياسياً، فهي تراهن على أن هذا الربح سيُترجم في لبنان بمرحلة “هدوء مضبوط” يسمح لها بإعادة التموضع في المنطقة

انتصار ادوات ايران

بهذا المعنى، لم تكن الانتخابات العراقية “هزيمة للسوداني” بقدر ما كانت انتصاراً لإيران عبر أدواتها المتنوعة، وتأكيداً على أن واشنطن لا تمانع في بقاء النفوذ الإيراني ضمن حدودٍ مضبوطة في بغداد طالما أن ذلك يُسهم في تجميد الجبهة اللبنانية. إنها معادلة المصالح المتقاطعة: الأميركي لا يريد حرباً تُهدّد إسرائيل، والإيراني بحاجة إلى استقرار نسبي في لبنان لتفادي ضغوط داخلية واقتصادية متزايدة.

لبنان، في هذه المعادلة، ليس غائباً بل هو الملعب غير المعلن. فحين تُعزّز طهران موقعها في العراق سياسياً وشعبياً، فهي تملك أوراقاً تفاوضية أقوى في لبنان، سواء عبر حزب الله أو من خلال القدرة على تهدئة أو تصعيد الحدود الجنوبية. بمعنى آخر، كلّ تقدّم إيراني في بغداد ينعكس قدرةً أكبر على المناورة في بيروت.

أما على المستوى اللبناني الداخلي، فإن نتائج العراق ترسل رسائل مزدوجة:

                •             للمعارضة اللبنانية: أن إسقاط النفوذ الإيراني لا يتحقق عبر صناديق الاقتراع فقط، بل من خلال بناء جبهة سياسية واقتصادية متماسكة تتجاوز الانقسام الطائفي وتطرح مشروع دولة فعلي.

                •             للقوى الموالية لإيران: أن الدعم الخارجي ما زال قائماً، وأن الانكفاء التكتيكي في لبنان لا يعني ضعفاً بل ترتيباً للأولويات.

حين تُعزّز طهران موقعها في العراق سياسياً وشعبياً، فهي تملك أوراقاً تفاوضية أقوى في لبنان

مقايضة اقليمية

في المقابل، تثير هذه النتائج تساؤلات جدية حول موقع الولايات المتحدة في لبنان. فهل كانت واشنطن فعلاً طرفاً في “مقايضة إقليمية” تترك بموجبها الساحة اللبنانية هادئة مقابل نفوذ إيراني مضبوط في العراق؟ المؤشرات الدبلوماسية تدعم هذا الاحتمال، خصوصاً مع الزيارات الأميركية المتكررة إلى بيروت التي تركز على “التهدئة” والإصلاح والانتخابات.

من هنا، يمكن القول إن الانتخابات العراقية شكّلت انعكاساً لتوازنٍ جديد بين واشنطن وطهران، لا يقتصر على بغداد وحدها. وإذا كانت إيران قد ربحت في العراق سياسياً، فهي تراهن على أن هذا الربح سيُترجم في لبنان بمرحلة “هدوء مضبوط” يسمح لها بإعادة التموضع في المنطقة من دون مواجهة عسكرية شاملة.

لكنّ هذا الهدوء، إن حصل، لا يُلغي خطر الانفجار اللبناني المقبل. لأن ما يجري في بغداد يؤكّد أن أي نظامٍ طائفيّ مرتهن للخارج يبقى عاجزاً عن إنتاج استقرار حقيقي. واللبنانيون، كما العراقيون، أمام معادلة قاسية: إما دولة مستقلة قادرة على مساءلة سلطتها، أو بقاء في دوامة المحاور التي تتقاسم النفوذ والدماء.

اقرا ايضا: محمد جواد خليفة يعود إلى الميدان الانتخابي..وعبدالله بري يدفع باسماعيل بديلا عن عزالدين في «صور»

السابق
اليكم أسرار الصحف الصادرة في بيروت صباح اليوم الخميس
التالي
إيران تتهم واشنطن وتل أبيب بـ«العدوان المباشر»: عراقجي يطالب مجلس الأمن بمحاسبتهما!