اعتاد لبنان على الخروج عن المألوف في ممارسات الدول، لاسيّما تلك التي تعتمد النظام البرلماني وليس النظام الرئاسي. فبعيدًا عن الأطر الدستورية والقانونية، يعيش لبنان في أزمات متعاقبة، واعتاد مسؤولوه وأصحاب الحظوة من الطبقة السياسية على الهروب دومًا إلى الأمام، يُمنّون النفس بإمكانية تأجيل الحلول، لعلّ وعسى تأتيهم من الخارج ملفوفة بجوائز فيها المنّ والسلوى.
نظام برلماني بممارسات خارجة عن الدستور
ففي كل دول العالم التي تعتمد النظام الديمقراطي البرلماني، ولاسيّما كمثيلتها في لبنان، حيث النظام ديمقراطي برلماني، أي إنّ السلطة تتركز في سلطة تنفيذية تُقرّر وبرلمان يُقرّ ويُشرّع القوانين، والتي أصبحت بعد دستور الطائف تتركز في مجلس الوزراء مجتمعًا، وهنا لا تفرد ولا استفراد من أيّ رئيس من الرئاسات الثلاثة، منفردين أو حتى مجتمعين، حيث لا يحقّ لهم أن يحكموا ويقرّروا بعيدًا عن سلطة مجلس الوزراء، الذي أُنيطت به صياغة الخطط الحكومية وإصدار القرارات مجتمعًا، إمّا بالتوافق أو بالأكثرية، أي متاح استعمال التصويت إن اختلفت وجهات النظر.
لكن، وكالعادة في لبنان، للديمقراطية نكهة خاصة مختلفة، خصوصًا كونها تضرب عرض الحائط بالمبادئ الدستورية وممارسة الحكم بعيدًا عن القواعد الدستورية بحجة التوافق.
يا سادة، مهما بلغ التوافق، فإنّ الممارسة الديمقراطية تعتمد الأطر الدستورية وما تفرضه القوانين في معالجة السياسات الحكومية وفقًا لما تقتضيه أحكام الدستور، وليس وفق ما تقتضيه أهواء وآراء الرئاسات الثلاثة.
ومن هنا كان موضوع المفاوضات مع إسرائيل لحلّ الإشكالات الحدودية وغيرها من القضايا العالقة ينتج ونتج عنه إشكالات أدّت إلى اختلاط الأمور، وأصبحت الرئاسات الثلاثة وكأنها هي من تُقرّر بعيدًا عن صلاحيات الحكومة مجتمعة. وفي هذه الرئاسات تُختصر الأمور وتُختزل بعيدًا عمّا يقرّره الدستور وأحكامه، وفي ذلك مخالفة كبرى في الشكل والمضمون.
الرئاسات الثلاثة بين تجاوز الصلاحيات واستعادة أعراف الوصاية
تُختزل الدولة اللبنانية وأجهزتها بأشخاص ثلاثة بعيدًا عن كل المؤسسات، وفي ذلك ممارسة سياسية خاطئة، لا بل تزيد الأمور تعقيدًا، وتتدخّل بها عوامل أخرى بعيدة عن أصحاب الصلاحيات، كأن يقترح بعضهم استمزاج رأي حزب الله وأخذ موافقته قبل اتخاذ القرار في مؤسسة الرئاسات الخارجة عن الدستور، والتي لا تمتلك صلاحيات قانونية أو قواعد دستورية في عملها.
في كلّ ذلك يتبيّن أن الرئاسات الثلاثة، والتي وكأنها تُريد اختزال المؤسسات بأشخاصها وبمخالفة واضحة للقانون، تتجه لاستعادة أعراف انتهت، تُذكّرنا بحقبة مضت إبان الاحتلال والوصاية السورية التي ساهمت في إنشاء الترويكا الرئاسية، والتي كانت تختزل الدولة اللبنانية بأشخاص ترضى عنهم سلطة الوصاية، لا بل هي من تعيّنهم ويكونون من الأتباع الموالين للحاكم العسكري السوري في عنجر، وقبله في البوريفاج.
الدولة العميقة وتعطيل الدستور في زمن الانهيار
يا سادة اللبنانيين، توسموا خيرًا من العهد الجديد ومن خطاب القسم وما تلاه من تشكيل حكومة وبيانها الوزاري، لكن الحقيقة أثبتت أن الدولة العميقة أقوى من تطبيق الدستور واتخاذ القوانين منهجًا للحكم في لبنان.
وبالتالي، تبقى كل الأمور عالقة لتفاهم ممثلي الطوائف والميليشيات التي تحكم، ويبقى الدستور والقوانين وجهة نظر ومطية لتحقيق أهواء وطموحات الآخرين في الوصول إلى الحكم.
لبنان يعيش أزمة حكم يريدها البعض للتعطيل، لعدم تطبيق قرارات الحكومة رغم أهميتها والدعم الدولي لها، فيبقى تنفيذها رهن أهواء وسياسات المستفيدين من عدم تطبيقها، وهما الثنائي الطائفي “أمل وحزب الله”، لأنهم وداعميهم ومؤيديهم من كل الطوائف تعوّدوا العيش في دولة لا سقف قانوني ودستوري يحكمها، بل مجلس طوائف مستفيدة من نتائجها في نهب البلاد وتضييع الفرص في أن يستقيم الحكم في لبنان ويرتاح أهله من مغامرات مجنونة تقتل بنيه وتتسبب بالدمار والخراب.
لبنان بلد الفرص الضائعة، وهذا ما يؤسّس لحروب جديدة ومغامرات جديدة تأخذ ما تبقى إلى حدود الدمار وتتسبب للبنانيين بالقتل والهلاك.
التفاوض الضرورة
فالتفاوض مع إسرائيل ضرورة، وضرورة ملحّة لنزع فتيل الحرب، كما أنّ تطبيق قرار نزع السلاح من حزب الله أصبح ضرورة ملحّة لتجنيب لبنان حروب القتل والدمار، حيث أصبح نزع السلاح خارج الدولة اللبنانية أحد أبرز الشروط لإعادة إعمار ما هدمته مغامرات البعض.
كما أنّ التفاوض مع صندوق النقد هو الممر الإلزامي لعودة الاستثمارات إلى لبنان، ولكن قادة لبنان يعيشون في عالم آخر، لا بل يُبرّرون كل ممارسات حزب الله للاستمرار في الإمساك برقبة اللبنانيين وجرّهم إلى حتفهم دون أخذ رأيهم، ومن دون أدنى ممارسات الحكم الرشيد في لبنان.
بل إنّ ممارسة سياسة الهروب إلى الأمام مستمرة وتتجذّر أكثر فأكثر، والبلاد غارقة في أزمات مستفحلة لا تجد لها حلًا. الفرصة السانحة اليوم لن تدوم طويلًا، بل دقّت ساعة الحقيقة، بينما قادة لبنان يتلهّون في تعديل قانون الانتخاب حينًا وفي صلاحيات من هنا وأخرى من هناك، بينما الحياة، وفي نواحي تطوّرها من حول لبنان، تسير إلى حلّ النزاعات والوصول إلى حلول مستدامة، بينما لبنان يغرق أكثر فأكثر في أزماته ولا يجد لها طريقًا للحلول.
اقرا ايضا: محمد جواد خليفة يعود إلى الميدان الانتخابي..وعبدالله بري يدفع باسماعيل بديلا عن عزالدين في «صور»

