اختار حسّان الزين في روايته ” طانيوس شاهين ماذا فعلت لاستحق ذلك” ( منشورات رياض الريّس – 2025 ) شخصيّة طانيوس شاهين التاريخيّة الجدليّة ليعيد تبويب حكايتها وترتيبها، بالرغم من السجال المتواصل حول تصنيفها بين ” الثوريّة الخيّرة ” أو ” الثوريّة البرغماتيّة”، مستخدمًا أدوات كتابيّة وتقنيّة سرديّة قلّما تجرأ الروائيّون المعاصرون استخدامها، قاطعًا الطريق أمام المتلقّي لتصنيف النّص على أنّه سيرة ذاتيّة أو سيرة ذاتيّة روائيّة ، مانحًا ضمير المتكلّم وظيفة جديدة تعطي القارىء مساحة لقراءة السياق وكتابته في مخيالهم ورسم طانيوس شاهين بصيغ مختلفة.
تعويم المعجم اللبناني المحكي وتوظيف ضمير المتكلّم
لجأ الكاتب إلى الهوامش والتوثيق، لا لإعطاء النّص طابعًا بحثيًّا كما يتراءى إلينا للوهلة الأولى، بل لتعويم المعجم اللبناني أو اللهجة اللبنانيّة المحكيّة، فإدخال كلمات مثل ” يطفش ” ، ” يفش ” وغيرهما من المصطلحات اللبنانيّة اليوميّة مع تفسيرها أتى ليعطي اللهجة اللبنانيّة قيمة، ويعزز نشرها في العقل والوعي العربي، وهي المحاولة الجريئة الثانية مبدئيًّا بعد محاولة سعيد عقل تعويم اللهجة اللبنانيّة وصقلها عبر ما يسمى ” اللغة اللبنانيّة “، كما يأتي تكوين هذا المعجم داخل السياق ليتمّم صورة الأحداث في ذهن القارىء متخيّلًا نفسه في الأعوام التي تلت عام 1861.
برزت في المقلب الآخر، قدرة حسّان الزين على التعامل مع اللغة العربيّة الفصيحة، فتجنّب التعقيد أو زيادة التراكيب الشاعريّة البلاغيّة مركّزًا على الضمير المتكّلم أو ضمير الأنا، الذي ظهر بوظيفتين: شكليّة ومعنويّة، فعلى صعيد الشكل أوّلًا كرّس تواجد ضمير المتكلّم بصيغه المعروفة جعل الرواية تروى بصوت روائي واحد … صوت طانيوس شاهين، الذي حكى حكايته بلغة سلسة ومباشرة تمتزج مفرداتها العاميّة المحكيّة والفصيحة، ما جعل الصوت الروائي الأحادي كافيًا لإعطاء ديناميّة للنّص وتعزيز عنصر الحركة داخله رغم نبرة الاسترجاع.
ثانيًا، أتى ضمير المتكلّم على الصعيد المعنوي المعياري ضرورة لكي يقرأ طانيوس شاهين ( ولو بصورة متخيّلة اختارها الكاتب ) نفسه بعين نقديّة موضوعيّة تاركًا القارىء يخطف فرصة بناء الشخصيّة وتحوّلاتها وتكوين هويّتها.
الشخصيّة وتحوّلها من محور الحدث إلى قاصّ له
توحي الرواية من الجزء الأوّل من عنوانها ” طانيوس شاهين” المكتوب بخطّ عريض يثير ادراك العين المتلقية لصورة الغلاف، أنّ الشخصيّة هي محور النّص وأن الكتاب غير المصنّف على الغلاف الخارجي بشكله الفنّي ( رواية ) يتناول اشكاليّة بحثيّة أو حقبة تاريخيّة انتمى لها طانيوس شاهين والتي كانت تحمل اشارات لتأسيس دولة لبنان الكبير التي نعيش على انقاضها الآن وأنقاض نظامها التعددي القائم شكلًا على الميثاقيّة والتوافق والتآلف، لكنّ الشخصيّة تمّت صياغتها على أنّها صانعة للحدث، فقد عاد طانيوس شاهين بأسلوب حكائي إلى طفولته، يروي الحدث بأفعال حركة، وسياقات حواريّة مكثّفة موجزة تعطي النص ايقاعًا، وتجعله يحمل أكثر من حكاية، وتحوّل الشخصيّة من راوٍ عليم بالحدث إلى راوٍ عليم ومعلّق على الحدث، خصوصًا وأنّه تناول حقبات الأمراء سيّما الأمير بشير بعين تاريخيّة انطباعيّة.
خرج حسّان الزين في روايته من منطق استنباط الحدث من المراجع ونقل الافكار من لغة إلى أخرى أو من مرجع بحثيّ إلى آخر، لنكون أمام نصّ يحاكي التاريخ من جهة وتكوين الشخصيّة وتحوّلاتها من جهة ثانية، وتكريس مقولة فرديناند ديسوسيير الألسنيّة التأسيسيّة :” اللغة هي نظام قائم بحدّ ذاته ” عبر هذا المزج بين المحكيّة والفصحى، وإعطاء الضمير العائد للأنا أو المتكلّم أكثر من شكل ووظيفة.
اقرا ايضا: بيان الحزب ينسف التفاوض ويؤكد «سلاحنا باقٍ».. والجنوب في عين الغارات الإسرائيلية

