منذ نهاية التسعينيات، ومع تصاعد حضور حزب الله في الداخل اللبناني، تحوّل حسن نصرالله من قائد عسكري إلى مرجعية سياسية – رمزية – دينية استطاعت أن تُعيد تعريف السياسة في لبنان.
وجعل، بالتدريج، كثيراً من السياسيين «نسخاً مصغّرة» عن تجربة الحلف الثنائي الشيعي (أي حزب الله + حركة أمل) داخل طوائفهم.
أدوات الهيمنة والآليات
استخدم نصرالله عدة أدوات وآليات أساسية لتوسيع نفوذه السياسي والاجتماعي، ما مكّنه من تحويل ممارساته إلى «نموذج» يُحاكى من قبل الآخرين. وذلك عن طريق التحوّل نحو العمل السياسي المؤسساتي، فانتقل نشاط الحزب تحت قيادة نصرالله، تدريجياً من كونه «ميليشيا مقاومة» إلى جهة مشاركة في الانتخابات، في البرلمان، والحكومة، مع ما يوفره ذلك من شرعية سياسية.
- قام بالتحول الى العمل الموازي، وأصبح ظلّ الدولة: بنى شبكة خدمات اجتماعية – تعليمية – أمنية – إعلامية وحتى ترفيهية، داخل المجتمع الشيعي (وفي بعض المناطق المختلطة) لتُعزّز الولاء، وتُظهر أن الحزب هو من يوفر الحماية والعيش، وليس الدولة وحدها.
- أقام التحالفات الاستراتيجية الطائفية في الملفّات المحورية: عمل نصرالله على تحالفات داخل الطائفة الشيعية ومع القوى الأخرى (مثلاً عبر مذكّرة تفاهم مع التيار الوطني الحر)؛ أعطاه هذا موقع الوسيط المركزي في الدولة اللبنانية.
- تمتع نصرالله بخطاب كاريزمي ورمزي: ان تحليل خطابات نصرالله يبيّن كيف استخدم، بتكرار وتشديد، كلمات مفتاحية (مثل «المقاومة»، «الشرف»، «العدالة»، «التضحية» و”الشهادة”) لربط الحزب بالطائفة والمجتمع، مما جعله رمزاً وليس مجرد حزب سياسي.
- أهم الآليات كان الدخول في مفاصل الدولة أو التأثير فيها: لم يستحوذ حزب الله فقط على مقاعد نيابية أو وزارية، بل مارس تأثيراً كبيراً في التشكيل الحكومي، والامساك بمفاصل القرار الأمني ووضع اليد على وزارات معينة الى درجة احتكارها (كوزارة المالية).
انعكس كل ذلك على السياسيين وعلى الممارسات السياسية، فأصبح السياسيين «نسخاً مصغّرة» عن تجربة الحلف الشيعي – هناك عدة مظاهر تُبيِّن هذا التبني النسقي لهذا النمط، فالعديد من السياسيين رأوا في تحالف حزب الله/أمل نموذجاً للتقليد: طائفة قوية تحت قيادة محورية، مع شبكة ولاءات زبائنية، وتحالفات تبني النفوذ. هذا يجعلهم يتنافسون ليس فقط انتخابياً، بل كذلك في بناء الدعم الاجتماعي والشبكات داخل كل طائفة.
«العديد من السياسيين رأوا في تحالف حزب الله/أمل نموذجاً للتقليد: طائفة قوية تحت قيادة محورية، مع شبكة ولاءات زبائنية»
تحوّل “السياسي” إلى “زعيم طائفي/ اجتماعي”، وتعمّمت أدوار حزب الله، واعتمد معظم النواب والقادة المحليين:
1- تقديم خدمات اجتماعية، رعاية أبناء الطائفة، أدوار احتفالية، خطاب المقاومة أو الهوية، بدلاً من دور تأسيسي يُركّز على المؤسسة الوطنية أو المصلحة العامة.
2- الاعتماد على الدعم الخارجي: حزب الله استفاد من دعم خارجي تحالفي (إيران، سوريا) فبنى قدرات أشبه بقدرات دولة. بعض السياسيين الآخرين حاولوا – أو اضطروا – أن يكون لديهم حليف قوي داخل الطائفة أو خارجها لضمان البقاء والنفوذ، لكنها لم تصل الى نوع علاقة الحزب مع ايران وسوريا.
3- التطبيع مع فكرة أن البقاء يتطلب أن تكون “داخل التحالف الممانعجي”: أي أن من لا يتحالف مع محور حزب الله/أمل غالباً ما يُمحى من مواقع النفوذ أو يُعزل سياسياً. هكذا أُجبر السياسيين على الانضمام أو التماهي أو التنسيق مع هذا المحور بدل خطاب مستقل أو نقدي.
4- حصلت محاكاة للنموذج في كل طائفة تقريباً: غالباً ما تجد أن السياسيين في طوائف أخرى – سنّية، مسيحية، درزية – يحاولون نسخ النموذج: بناء شبكة خدمات زبائنية داخل الطائفة، خطاب مقاومة أو هويّة، التحالف مع جهة مسلحة أو ذات نفوذ، إلخ. بهذا المعنى، تحول الحزب من «حزب شيعي» إلى نموذج ومرجعية عامة للتراكم السياسي داخل الطوائف.
ما الذي سمح بتمكين هذه الهيمنة؟
وجود أسباب بنيوية في البيئة اللبنانية أضافت إلى قدرة نصرالله على الهيمنة:
- النظام الطائفي والتوزيع الحزبي للمناصب: لبنان يعمل بنظام سياسي طائفي يعتمد على زعماء طائفيين، لذا كان من الطبيعي أن من يبني قوة طائفية ومجتمعية كبيرة يكون له الدور المحوري.
- ضعف مؤسسات الدولة: حين تكون الدولة عاجزة عن تقديم الخدمات الأساسية أو تحقيق الثقة، تظهر قوى بديلة كحزب الله التي تملأ الفراغ – مما يزيد ولاءها وتأثيرها.
- الصراع الإقليمي والهوية: حزب الله استغل معادلة المقاومة ضد إسرائيل، والاستخدام الرمزي للمقاومة، ليكون ليس فقط حزباً محلياً، بل ذراعاً إقليمياً، مما زاد من رمزيته.
- المجتمع الشيعي والاختيارات الجوهرية: المجتمع الشيعي في لبنان عاش ظروفاً اقتصادية واجتماعية صعبة لمجاورته اسرائيل، ما جعل غالبيته تقبل بدور الحزب كمضمان حماية وخدمات، ما منحه ما درج على تسميته شرعية شعبية. هذا دون حسبان العامل الديني، الذي يحتاج الى معالجة مستقلة.

