أكّدت نهاية الحرب في غزّة وما تلاها من اتفاق أُبرم في شرم الشيخ أن غزّة كما بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء، تعاني من غياب الدولة.
ونقصد بالدولة: الأرض، والسلطة، والشعب.
فالأراضي الخمس محتلة بشكل مزدوج، أيديولوجيًّا، عبر الأحزاب التي نصّبت نفسها ضمن محور مقاومة إسرائيل: حماس، حزب الله، والحرس الثوري الذي هيمن لعقود بطريقة غير مباشرة على دمشق ومفاصل قراراتها الاستراتيجيّة، وكذلك الأمر مع الحوثي في صنعاء، والحشد الشعبي في بغداد.
أما السلطة، فهي تحكمها أحزاب حليفة لمتصدّري القتال، وأمّا الشعوب، فلا جرم أن معظمها خاضع للترهيب والترغيب عبر الشائعات والدعايات السياسية المرتبطة بالدين والطائفة، خصوصًا حين يتمّ التطرّق إلى موضوعة السلاح التي تحوّلت منذ عام 1982 من ظاهرةٍ إسلاميّةٍ سوسيولوجيّة إلى قيمةٍ أو ركيزةٍ تحكم هذه المجتمعات والعواصم.
وإذا كان أبو إياد، القيادي الشهيد في حركة فتح، قد ألغى منطق الدولة اللبنانية التي حكمها اليمين الانعزالي متسلّحًا بـ”اتفاقية القاهرة”، قائلًا إنّ طريق القدس ستمرّ في جونيه،
فإنّ طريق القدس مرّ في القرن الحادي والعشرين بصنعاء وبغداد ودمشق وبيروت وغزّة، ولم يلامس القدس، ولم يرسم أيّ معلمٍ من معالم الدولة المستقرّة.
براك يُعوِّم أمجاد كوندوليزا رايس
عام 2006 خرجت وزيرة الخارجية الأميركيّة كوندوليزا رايس أمام العالم قائلة:
“إنّ حرب تموز الإسرائيليّة على لبنان هي ولادةٌ قاسيةٌ للشرق الأوسط الجديد.”
وبعد تسعة عشر عامًا، يخرج توم براك، المبعوث الأميركيّ إلى لبنان، لينذر اللبنانيين أنه في حال لم تتحرك الحكومة، فحزب الله سيكون في المواجهة الكبرى مع إسرائيل.
أتى براك ليسهب في شرح مقولة رايس التي تحدّثت قبل حوالي عشرين عامًا بالعنوان العريض.
وبالرغم من اعتباره أنّ الحكومة خاضعة لنفوذ حزب الله، ولهذا لا نتائج ملموسة،
فإنّ براك وإدارته الأميركيّة ينسفان وجود الدولة التي يتعاطيان بشرعيّتها مع رئيسيها، عبر وضع الحرب في خانة تجمع الحزب بإسرائيل، لا الجيش اللبناني مثلًا.
وهذا يعكس تأخّر ولادة الدولة في لبنان، التي لم تُدعَ لرعاية اتفاق شرم الشيخ، وتأخّرت دمشق في شكرها على احتواء النازحين السوريين، والمشروط ولادتها — كما حال الدولة في غزّة — بتسليم السلاح لإعادة تكوينها، والاستثمار والإعمار فيها.
إسرائيل التي تشتهي غياب الدولة
تتناسى تل أبيب، منذ اغتيال الأمين العام الأسبق لحزب الله السيد عباس الموسوي والمرشد الروحي لحركة حماس الشيخ أحمد ياسين، أنّ القضاء على الأحزاب الأيديولوجيّة لا يتمّ عبر إزاحة قادتها.
فإزاحة الموسوي واغتيال ياسين لم يمنعا من تقديسٍ جماهيريٍّ للسيد حسن نصرالله ويحيى السنوار في حارة حريك وغزّة.
ولعلّ هذا التناسي يؤخّر بناء الدولة في غزّة وبيروت، وتسلّلها إلى الضاحية والجنوب والبقاع، ويزيد من الشرخ الهويّاتي في المجتمع اللبناني تحديدًا، كونه تعدديًّا لا يقوم على شدّ الشيعة بخطابٍ قوّاتي مثلًا، بل من خلال ولادة فكرٍ شيعيٍّ موازٍ، مقنعٍ ومتين.
وهو ما يتمّ تغييبه عبر إلهاء القادة للناس بالقشور والتفاصيل ونوستالجيا بوسطة عين الرمانة.
لا تريد تل أبيب نهاية الحرب، فالسلام يعني بناء دولٍ مستقرةٍ محيطةٍ بها، وهو ما يُعدّ خطرًا عليها، حتى لو طبّعت وآمنت بكيانٍ ليكوديٍّ يقوم على قوميّةٍ يهوديّةٍ يمينيةٍ متطرفة.
تل أبيب تواصل، عبر مسيّراتها في السماوات اللبنانية والسورية والفلسطينية، نسف أيّ استمراريةٍ لأيّ اتفاق يفضي حتى إلى سير عجلة قطار إبراهام، خوفًا من حلّ الدولتين، ومن بقاء حماس والحزب في مكانتهما السياسية وتمثيلهما، الذي قد يعيد ترميمهما في حال استمرار التعنّت الإيراني.
قد تُبنى الدولة على مقياس ترامب
قد تُبنى الدولة على مقياس ترمب في بيروت ودمشق وغزّة، في حال بادرت تل أبيب إلى ضرب طهران وإسقاط ما تبقّى من ممثليها في العواصم العربية.
فحال الفصائل التي كانت تنضوي تحت مسمّى وحدة الساحات مكسوّة بغبارٍ اعتبر محمد الماغوط أنّه لا شيء سواه يعلو ويهبط كثدي المصارع…
نعم، هو غبار الركام، لا يُبشّر ببناء دولة.
إقرأ أيضا:مهلا.. لبنان ليس مدعواً للتفاوض مع إسرائيل

