السيد علي حسين أحمد: ترتيلة الجنوب وحكمة الأرض

في “عبا”، حيث يتعانق جبل عامل مع سهلٍ يمتد كراحة يدٍ تتلقى القُبَل من شمس الصباح، لم تكن الحياةُ مجرد أيامٍ تُحصى، بل كانت “سلوكًا” صوفيًا فطريًا يتجسّد في شخص رجلٍ تجاوز المئة عام، وظلّ اسمهُ همسةَ الحكمة في أذن كلّ من عرفه: جدي السيد علي حسين.

لقد عاش جدي، فلاحًا وراعيًا، أعمق الفلسفات دون أن يقرأ فيها سطرًا. كانت حياته بأسرها تجسيدًا حيًا لروح القرية الريفية الجنوبية، تلك الروح التي آمنت بأنّ التصوّف ليس عزلةً في زاوية، بل امتدادٌ للرحمة والمحبة في كلّ تفصيل.

المعراج من الحقل إلى الحكمة:

في خيوط الفجر الأولى، حين كان يقود ماشيته إلى الوادي، لم يكن جدي يخرج للعمل فحسب، بل كان يخرج لـ “سلوك” رياض الطبيعة. كان الحقل هو “الخانقاه” الأكبر، والبذرة التي يودعها الأرض هي سرٌّ إلهي كامن. لم يكن يرى الحراثةَ مجرد جهد، بل امتدادًا لـ “وحدة الوجود” في أبسط صورها: يدهُ الخشنة، التراب، السنبلة، والمطر، كلها في حركة تسبيحٍ متناغمة. كان يقول لأبي: “الأرض لا تكذب. من يخدمها تعطيه، ومن يهملها تعاقبه”. وفي هذه العبارة البسيطة، تتلخّص فلسفة العطاء والعدل الكوني.

كان العرق الذي يتصبّب من جبينه ليس شقاءً، بل “فتوحٌ” (تجليّ صوفي)، يطهر به الروح. وعند الحصاد، كان الكرمُ لديه ليس مجاملة اجتماعية، بل إقرارًا بأن الرزق قاسمٌ ومقسوم. كانت حكمة “السنبلة الهاربة” – ترك ما يسقط للفقير – متجذرة في سلوكه، وكأنها شرطُ إتمام المحصول الروحي قبل المادي.

في حي القلعة.. ومدرسة الإصغاء:

في حي القلعة ببلدة عبا، حيث كان مجلس جدي، لم يكن “الصوبا” (المدفأة) مصدر دفءٍ للجسد وحسب، بل كان موقدًا لحكمة الأجداد. ذاكرته التي لم تعرف القراءة والكتابة، كانت كتابًا مفتوحًا يسرد قصص السيول والشتاءات العاصفة، وكيف باغتته كارثة سيل وادي عالي ومعه مئة رأس ماعز. كلما أعاد القصة بـ “نبرته الهادئة التي تحوّل الحكاية إلى لوحة حيّة”، كانت تتجسّد الدهشة فينا، دهشةُ من يرى تجربة الوجود تُصاغ في كلمات رجلٍ عاشها بكل قسوتها وجمالها.

كانت ابتسامته الفلسفة التي واجه بها ضيق الأيام، قائلاً: “اللي بيبتسم، بيدبّر حاله بالدنيا”. أما “الإصغاء”، فكان عنده عبادة، بابًا لتخفيف الهموم. يجلس ليستمع إلى الآخرين أكثر مما يتكلم، ليضيئوا وجوههم بامتنان، وكأنه يمارس “المواساة الصوفية” التي تجعل من قلب المستمع ملاذاً ومستراحاً لروح المتكلم.

جدتي والحب المتجاوز:

جدتي، تلكَ المرأة الصابرة، كانت تشاركه هذه البساطة الصلبة وهذه الفلسفة الروحية. في أقسى برد الشتاء، حين كانت تحتضن صغار الماعز الضعيفة لتنام معها على الفراش وتنقذها من الموت، علّمتنا أن “الرحمة” لا تقتصر على بني الإنسان. كانت تلك هي “الفتوة” في أبهى صورها؛ ممارسة للشهامة الروحية التي تتجاوز الأنواع، وتقرّ بأنّ كلّ مخلوقٍ هو سرٌّ إلهي يستحقّ الحماية.

وفي ليالي الصيف قرب شجرة التين الكبرى، مدرسة السهر والحكاية، كان جدي يثير في قلوبنا الخوف والدهشة بالأساطير، ويتركنا نتساءل: “وماذا بعد؟” لم يكن يجيب دائماً، وكأنّ الحكايات، كالتصوّف، بلا نهاية، لأنّ نهايتها هي اكتشافٌ مستمر للروح والوجود.

الرحيل والوصال:

هذا النمط من العيش لم ينتج محصولًا في الحقل فحسب، بل أنتج “تراتيل” من الثقافة والتقاليد العامِلية الأصيلة. ففي عبا، أصبحت الحكمة ليست مقولة أدبية، بل فعلًا يوميًا. كان يردّد أبي وهو يستذكره: “ما كان أحد في البلدة يشعر بالفقر، الخير كان دائماً بين الناس”. هذا هو التجلي الحقيقي لـ “الأخوة في الله”؛ فالجماعة هي حصن الفرد، والمشاركة في الحصاد أو التضامن في السيول لم يكن عملاً تطوعياً، بل شرطًا وجوديًا للإنسانية.

حين ودّع جدي السيد علي حسين الحياة، لم يرحل كأيّ رجلٍ عادي. لقد خرج يودّع أشجار بستانه واحدةً تلو الأخرى، يلمس جدران البيت الحجري الذي بناه، ويبكي؛ بكاءُ المتصوّف الذي عرف أن الموت قريب، فأراد أن يترك قلبه مُعلّقاً بالأرض التي أحبّها، لتبقى روحه محفورة في ترابها.

وبقيت كلمة جدتي الأخيرة: “العالم جميل جداً، ولذلك أخجل أن أموت”. كانت هذه حكمة امرأة عاشت الشقاء لكنها رأت الجمال في بساطة النجوم فوق سقف بيتها الفقير.

من معدن هؤلاء صُغنا، نحن الأحفاد. لقد علّمنا جدي أن الابتسامة مقاومة، وأن الإصغاء حكمة، وأن المشاركة بذرٌ يثمر ألف مرة. ومن ذاك التراث العاملي الأصيل في عبا، نصنع صلتنا بالزمان القديم، حتى لا تنقطع “ترتيلة الجنوب”، وحتى لا يذوب الوصال مع من زرعوا فينا ما نحن عليه اليوم من حكمةٍ وروحٍ وفلسفة.

اقرا ايضا: النبطية: نَبضُ الجَنُوبِ وَحِكايَةُ وَجْدٍ لَا يَخْبُو..

السابق
بالفيديو: حفل «زفاف» يهزّ طهران.. إبنة مستشار خامنئي تظهر «مكشوفة الصدر» وتثير غضب الإيرانيين
التالي
الطقس: كتل معتدلة ودافئة نحو لبنان والمنطقة