النبطية: نَبضُ الجَنُوبِ وَحِكايَةُ وَجْدٍ لَا يَخْبُو..

لِكُلِّ مَدِينَةٍ في وِجدانِ الوَطَنِ رُوحٌ، ولِكُلِّ قَلبٍ نَبْضٌ. أمّا النَّبَطِيَّةُ، فَهيَ الرُّوحُ وَالنَّبضُ مَعًا؛ إنَّها لَيستْ مُجرَّدَ رُقعةٍ جُغرافيّةٍ تستندُ على سَفوحِ جَنوبِ لبنانَ الأخضرِ، بَلْ هيَ قَصِيدَةٌ كُتِبَتْ بِمِدادِ التَّنوُّعِ وَالفِكرِ الرَّحْبِ، وَمُدنّسَةٌ بِعِطرِ التَّلاقي الإنسانيِّ النَّبيلِ.

في غَسَقِ القَرنِ المَاضي، وَمَعَ بَزوغِ فَجرِ الاستقلالِ وَأحلامِ الوَطَنِ الفتيِّ، تَحوَّلَتْ النَّبطيَّةُ إلى قَلبٍ يَضُخُّ النُّورَ في شَرايينِ الجنوبِ كُلِّه. لمْ تكنْ مَنارَةً للعِلمِ فَحَسْبُ، بَلْ كَانَتْ مَحرَاباً لِلْمَعْرِفَةِ التي تَتَجاوَزُ الحُدودَ وَالعَقائِدَ. احتضَنَتْ هذهِ المَدينةُ الشَّهْمَةُ التَّنوُّعَ الفِكريَّ بِعُلُوِّ التَّسامُحِ وَرَحابةِ الصَّدرِ، فَرَفضَتْ لُغَةَ الإقصاءِ وَالإِنعِزالِ، وَجَعَلَتْ مِنَ الانفِتَاحِ فَضيلَةً، وَمِنَ الوُدِّ دِيانَةً.

في أَزِقَّتِها العَتيقَةِ، تَمَدَّدَتْ بِيوتُ العِلمِ، فَغَصَّتْ بِالزُّوَّارِ وَالقَادِمِينَ مِنَ القُرى النَّائِيةِ لِيَرتَشِفُوا مِن مَعِينِ مَدارِسِهَا الرَّسميَّةِ وَالخَاصَّةِ، وَمِنْ دَارِ مُعَلِّمِيها التي كانتْ مَقصِداً. لِذا، تَحوَّلَتْ النَّبطيَّةُ بِفِعلِ هذهِ الحَاضِنِيَّةِ إلى بُوتَقَةٍ تَنصَهِرُ فيها الكَفَاءاتُ، وَتَصقُلُ الهِمَمَ، فَنَثَرَتْ في حُقولِ الوَطَنِ شَخصِيَّاتٍ وَقَامَاتٍ بَرَعَتْ في شَتَّى المَجالاتِ، مُنطَلِقَةً مِنْ جُذورِها المُتأصِّلَةِ في الأَرْضِ، وَعَارِفَةً بِقِيمَةِ التَّربِيَةِ الصَّادِقَةِ.

وَعَلى خِلافِ مَدنٍ كَثيرَةٍ صَبَغَتها الأَحاديّةُ، ظَلَّتْ النَّبطيَّةُ مَلتقًى جَامِعاً لِلتّيَّاراتِ الفِكريَّةِ كُلِّها، مِنْ أَقْصَى اليَمينِ إلى أَقْصَى اليَسارِ؛ تُؤَلِّفُ بَينَها وَتَحتَرِمُ خَياراتِها، دُونَ أَنْ تَتَخَلَّى عَنْ عُمْقِهَا الوِجدَانِيِّ المُتَجذِّرِ. هيَ المَدينَةُ التي تُجَسِّدُ نَبضَ عاشُوراءَ في كَربَلاءِ الحُسَينِ، وَفي الوَقتِ ذاتِهِ تَحتَفِي بِكُلِّ مُنَاسَبَةٍ وَطَنِيَّةٍ وَاجتماعِيَّةٍ، بِرُوحٍ لا تَعرِفُ الانقِسَامَ.

وَلا يَكتَمِلُ وَصفُ النَّبطيَّةِ دُونَ حَديثِ سُوقِ الاثنينِ؛ تِلكَ الظَّاهِرَةُ الاجتِماعِيَّةُ الفَريدَةُ، التي لمْ تَكُنْ مُجرَّدَ مَكانٍ لِتَبادُلِ الخَيراتِ وَالمَحاصِيلِ، بَلْ سِيركٌ مَهِيبٌ لِلتَّعَارُفِ وَالتَّكافُلِ وَالتَّضَامُنِ. هُناكَ، حَيثُ يَتَدفَّقُ الزَّائِرُونَ وَالقَاطِنُونَ، تَتَجسَّدُ أَجمَلُ صُوَرِ الحَمِيَّةِ الجَنُوبِيَّةِ وَالوَطَنِيَّةِ، فَتَمتَزِجُ بَرَكَةُ التِّجارَةِ بِأُخوَّةِ الجَوَارِ، لِتَبقَى النَّبطيَّةُ حتَّى اليومِ نَبضاً لا يَهدأُ، وَذاكِرَةً لا تَخُونُ روحَها الأَصِيلَةَ.

جِدليةُ البَقاءِ: بينَ وَحْدَةِ السُّوقِ وَفُرقةِ الزَّمَان

وَلَو أنَّ هَذَا الكَمَّ الهائِلَ مِنَ التَّلاقِي وَالاحتِضَانِ، وَهذَا الإرثَ المَعرفيَّ الضّاربَ في العُمْقِ، قَدْ رَسَمَ لِلنَّبطيَّةِ مَساراً مُتفرِّداً، إلَّا أنَّها لمْ تَسلَمْ مِنْ سِهامِ التَّبايُنِ التي اعْتَرَتِ الوَطَنَ كُلَّهُ. فَقَدْ ظَلَّتْ النَّبطيَّةُ، وَأهلُها الأَوْفِياءُ، مُتَجذِّرينَ فِي قِيمِ التَّواصُلِ حتَّى في أَحْلَكِ الظُّرُوفِ. كانتْ بِيوتُها مَفتوحَةً، وَسَاحَاتُها رَحْبَةً، تَنبُذُ التَّقوقعَ الطَّائفيَّ وَالمَذهبيَّ الذي بَدَأ يَتَسَلَّلُ إلى كِيانِ الجَنُوبِ وَغيرِهِ مِنْ مناطقِ لُبْنَانَ مَعَ حُمَّى الأَزمَاتِ وَالحُروبِ الأَهْلِيَّةِ.

إنَّ مَعْنَى سُوقِ الاثنينِ، بِمَشْهَدِيَّتِهِ الضَّخْمَةِ وَتَفَاعُلِهِ العَارِمِ الذي يَكسِرُ حَواجِزَ الفَرْزِ، يَبقَى شَاهِداً أَبديَّاً على قُدْرَةِ المَدينةِ على صِيَاغَةِ هُوِيَّةٍ تَجْمَعُ، لا تُفَرِّقُ. فَحِينَ يَتَجاوَرُ فَلَّاحٌ آتٍ مِنْ بَيْتِ “آلِ عِزٍّ” بِتَاجِرٍ قَادِمٍ مِنْ قَرْيَةِ “آلِ كَرَمٍ”، وَحِينَ تَمتَزِجُ اللَّهَجَاتُ وَالمَحَاصِيلُ دُونَ سؤالٍ عَنِ الانْتِمَاءِ الأَوَّلِ، يَتَجَسَّدُ البُعْدُ الإِنسَانِيُّ العَالِي الذي صَنَعَ جَوْهَرَ هَذهِ القِبلَةِ.

وَلَكِنْ، مِثلُ أَيِّ قَلْبٍ نَابِضٍ، لَمْ يَسْلَمْ وَجْدَانُ النَّبطيَّةِ مِنْ وَطْأَةِ هَواجِسِ الانكِفَاءِ ونَزَعاتِ التَّفَرُّدِ التي سَعَتْ لِتَلوينِ المَدِينَةِ بِلَوْنٍ وَاحِدٍ، مُحَاوِلَةً تَجْرِيدَهَا مِنْ إِرْثِهَا المُتَنوِّعِ. وَلَوْ أَنَّ سِحرَ العِلمِ وَالنَّبْلِ الذي تَشَرَّبَتْهُ أَرْضُهَا قَدْ قَاوَمَ كَثيراً، فَإنَّ الوَطَنَ بِأَسْرِهِ يَبْقَى مُطَالَباً بِإحْيَاءِ رُوحِ النَّبطيَّةِ الأَصِيلَةِ: رُوحِ التَّلاقِي اللامَشْرُوطِ، وَقِيمَةِ المَعْرِفَةِ التي تَتَجاوَزُ الانْتِمَاءَ الضَّيِّقَ.

فَالنَّبطيَّةُ لَيْسَتْ آثَاراً نَنْظُرُ إلَيْها، بَلْ هيَ مُنْطَلَقٌ لِتَجدِيدِ العَهْدِ مَعَ لُبْنَانَ الذي نَحْلُمُ بِهِ؛ لُبْنَانَ الذي يَجْمَعُ كُلَّ أَطْيَافِهِ في مَدرسَةٍ وَسُوقٍ وَوَجْدَانٍ وَاحِدٍ، عِندَمَا يَغْلِبُ نُورُ العِلمِ عَتْمَةَ التَّقَوْقُعِ، وَتَعْلُو حِكْمَةُ التَّعامُلِ على شَوائِبِ التَّباعُدِ. إنَّ بَقَاءَ النَّبطيَّةِ مُنَارَةً حقيقيَّةً يَبْقَى رَهْناً بِبَقَاءِ جَوهَرِها الإِنسَانيِّ حَيَّاً وَمُتَّقِداً.

اقرا ايضا: أفولُ البيلسانِ: سيرةُ أمِّ شريفٍ.. وجدليةُ الوطنِ بينَ بركةِ الكدِّ ولعنةِ الرانج

السابق
الصحف الإيرانية: الدعوة إلى قمة شرم الشيخ وضعت إيران في موقف حرج.. وعدم الحضور قد يعني تجاهل مكانتها الإقليمية
التالي
بالفيديو: إصابة مدنيين في حاريص بانفجار غامض أثناء قطف الزيتون