حراك 17 تشرين 2019 في لبنان: حركة دون بركة..دون محاسبة المسؤولين وحسابهم!

ثورة 17 تشرين الشعلة

نعم، كشف يوم “حبل” الشعب اللبناني السري، أو يوم 17 تشرين الأول 2019 التاريخي، النظام السياسي اللبناني الهزيل والدولة المأزومة، وكشف أزمة الجمهورية اللبنانية الهشّة اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا، في عصر المعلوماتية والذكاء الاصطناعي والجيوش الإلكترونية. وأطلق شرارة أكبر ثورة “اجتماعية” في تاريخ البلاد، والتي كان مطلوبًا أن تأخذ سفينة بلاد الأرز إلى مرحلة “نوعية” جديدة.

الثورة الاجتماعية التي نعت معظم برامج الأحزاب والمنظمات والتيارات والجمعيات اللبنانية على حدّ سواء، وأعلنت موتها السريري. ثورة الخطوة الأولى “افتراضياً” نحو جمهورية وقيامة دولة المواطنة والدستور العصري الحديث، أو جمهورية “الحبل السري” بين الدولة والمواطن والدستور.

خيانة النخب… وأفول المثقف

ثورة الحبل السري “العفوية” تاريخيًا، تعرّضت في مهدها، وفي يومها الأول “نظريًا” و”عمليًا”، إلى خيانة القفازات السوداء والقفازات البيضاء من ناحية، وإلى خيانة النخب المشبوهة والمؤلَّهة من ناحية أخرى، بالإضافة إلى خيانة “المثقفين”، وتلك أخطر وأبشع الخيانات.

النخب “الجديدة” في مجتمعات الاستبداد والنزاع ليست سوى نخب “اصطناعية”، أو مجرد أدوات “جديدة” ووسائل “حديثة” تعمل من خلال شبكات “متقاطعة”، أو كلمات متقاطعة و”أجندات” مشبوهة من أجل إعادة “رسم” خرائط المنطقة بما يخدم استراتيجيات النيوليبرالية أو النيو-كولونيالية الجديدة في “المئة” سنة “الجديدة” القادمة.

النخب التي تأتي في “مرحلة” معينة مثل “الطوفان”، تارة بصفة “الربيع”، وتارة أخرى بصفة “الخريف”، وطَورًا بحجة “الثورة”، وطَورًا آخر بحجة “المقاومة”، وحينًا بشعارات “التحرير”، وحينًا آخر بأعلام “الوحدة”، ومرة باسم “التغيير”، ومرة أخرى “كلن يعني كلن”، وفجأة، بدون سابق إنذار (فص ملح وذاب)!

بين الحبل السري والوطن: استعارة الحياة والمناعة

هذا ناهيكم عن أن الحبل السري في “ثورة” العلوم “البيولوجية” والارتقاء والتطور الطبيعي لأصل الأنواع، أو الثورة “الاجتماعية” الحديثة “مجازيًا” من أجل مقارنة وتشابه العوامل المشتركة بين “الجسد” و”الوطن”، مجرد شريان دموي لا يحتوي على أعصاب أو “عُصب” أو “عصبيات” نظريات “الخلدونية” الاجتماعية تاريخيًا في شرقنا المريض.

لكنّه ينقل الدم المحمّل بالأوكسجين والمواد الغذائية من الأم أي (الوطن) إلى الجنين أي (المواطن والمواطنة). وأهم وظائفه الرئيسية إمداد الجنين بكل ما يحتاجه وجوديًا. وفوائده كثيرة، إذ تُستخرج الخلايا الجذعية السرية المأخوذة من دم الحبل السري عند “الولادة” وتُستخدم في عمليات زرع النخاع العظمي أي (إعادة الهيكلة والهيكلية)، ومعالجة عشرات الأنواع المختلفة من أمراض الجهاز (المناعي) والدم.

إن أهمية هذه الخلايا الجذعية شجّعت على تأسيس العشرات من بنوك الدم السري، وليس (الحسابات المصرفية السرية المشبوهة)، في مختلف أنحاء العالم، لحفظ الدم لسنوات طويلة مقبلة، وليس لحفظ (الأموال المنهوبة والمهرّبة على حساب المناعة الوطنية). واستخدامه عند الحاجة إليه في معالجة الكثير من الأمراض البيولوجية، والأمراض (الاجتماعية والاقتصادية والسياسية)، في وضوح مركزي بين الحقيقة والاستعارة والتشبيه والمجاز.

وثمة اعتقاد علمي سائد أن المستقبل القريب سيشهد مساهمة هذه الخلايا (الحداثوية)، والاهتمام بكل ما هو عصري وحديث، في معالجة أمراض متعددة أخرى، وتجديد الخلايا المصابة والمتضرّرة وترميمها بيولوجيًا واجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا.

نحو دولة المواطنة والدستور العصري

نحن بحاجة إلى ثورة الخطوة الأولى، واقعياً، نحو قيامة دولة المواطنة والدستور العصري الحداثي الحديث، والمساواة التامة بين المرأة والرجل استنادًا إلى المواطنة المتساوية دستورياً وحقوقياً وقانونياً، والخروج من أنفاق ونفاق “دويلة” المزارع والشحن السلبي، والارتقاء إلى مستوى الجسد، والوطن، والمواطنة.

وطن قانون أحوال شخصية يحمي المواطنة الفردية وحريّاتها، ويحمي المجتمع المدني وتطوّره، واعتبار المواطنة الرقمية بُعدًا حداثيًا عصريًا مضافًا بصورة تفاعلية مع المواطنة الدستورية. وصوغ الحقوق الرقمية – الإلكترونية للمواطنة وحمايتها استنادًا إلى المواثيق الدولية **EDRI GDPRS**، مع التركيز خصوصًا على حماية البيانات والخصوصية، وإنشاء/بلورة/رعاية جمعيات مدنية لحماية الحقوق الرقمية والشبكية للمواطن.

يجب إعادة صوغ/تحديث قوانين حرية الرأي كي تصبح عصرية وتستوعب المتغيّر العالمي المتمثّل في عصر الإنترنت وشبكات “السوشيال ميديا”. كما يجب أن يشارك لبنان بفاعلية في الجهود الدولية لحماية حيادية الإنترنت، ويعمل على تحقيقها وطنيًّا، والحق الكامل للمواطن بالوصول إلى المعلومات. وتعزيز الإحصاءات والمعلومات والبيانات الرسمية، ودعم التشارك مع مؤسسات القطاع الخاص والجامعات في ذلك.

يجب أيضًا إدراج مادة التشفير **(coding)** في المناهج الرسمية في المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية. واستنادًا إلى الدينامية الواضحة للشباب اللبناني في المعلوماتية والاتصالات المتطورة، يجب العمل على نقل التكنولوجيا عبر العمل بفاعلية مع الدول والشركات الكبرى، لنقل التكنولوجيا وتوطينها، ودعم الشركات الناشئة للشباب **(startups)**، خصوصًا في المعلوماتية والاتصالات.

من الثورة الافتراضية إلى التحول الواقعي

يجب أيضًا التفاوض والعمل مع الشركات الكبرى لدعم جعل الشركات الناشئة جزءًا من المسؤولية الاجتماعية للشركات، التي يجب أن تشمل نقل التكنولوجيا. كما يجب أن يكون الاتصال بالشركات الرقمية العالمية حقًّا أساسيًا للمواطن.

كما يجب العمل والتفاوض مع الشركات الكبرى في المعلوماتية والاتصالات بشأن تحصيل ضرائب على أعمالها في لبنان، خصوصًا نقل البيانات والمعلومات والإعلانات، أسوة بدول أوروبية وغيرها. ووضع خطة بالتشارك بين الدولة والقطاع الخاص والجامعات لإنشاء حاضنة معلوماتية لبنانية عالمية في “وادي السيليكون”.

كما يجب إعطاء رعاية خاصة جذريًا في المناهج التعليمية لتصبح متوافقة مع عصر المعلوماتية والشبكات و”السوشيال ميديا”، ونقل تركيزها من الحفظ إلى تحليل المعلومات وفهمها ونقدها. ويجب أيضًا العمل على تقوية الملكات الفكرية واللغوية للطلبة عبر مناهج تركز على الفهم والاستعمال، وليس الحفظ والتكرار وسياسة “القطبع”.

دعم صناعة الدواء المحلي والاستفادة من التجارب العالمية خصوصًا في الأدوية البديلة **(Generic)**، وتوسيع التشاورات بين القطاعين الرسمي والخاص (مختلط). وتمديد إجازة الأمومة، واحترام جميع حقوق الأفراد في مختلف المجالات، مما يدفع المواطنين للمشاركة في الشأن العام، حيث يقوّي ذلك المواطنة الفاعلة ويُساعد على بناء الدولة.

وحماية العملة الوطنية المحلية، وإخراج الاقتصاد من الدولرة، والتفاعل مع ظواهر الدين-السياسي كافة لإدراجها في بلورة دولة المواطنة وتحقيق الانسجام بين أفراد المجتمع، عن طريق استخدام لغة الحوار لحلّ جميع أنواع الخلاف التي تنشأ بين مختلف فئاته.

واحترام الاختلاف والتنوع العرقي والعقائدي والفكري بين أفراد المجتمع، وتقديم مصلحة الوطن على المصالح الخاصة، والمساهمة في ترسيخ المبادئ الأساسية؛ كالكرامة، والحرية، والمساواة، والسيادة.

نحن بحاجة إلى ثورة تغيير حقيقية نحو دولة المواطنة والدستور العصري الحديث، وعصبها الذي يستند إلى شرعية شعبية وطنية، والانتقال التدريجي والمنهجي والواقعي إلى عصر الحداثة في الشكل والمضمون، في الممارسة والتطبيق. ومواكبة “الجيل الذكي” على قاعدة “النزعة الحداثوية”؛ نزعة الاهتمام بكل ما هو عصري وحديث في قراءة وكتابة المجتمع – الدولة – المواطنة – الدستور.

والاستثمار بالعقول الشابة والحقول المعرفية، والخروج من “صندوق” التقليدية إلى فضاءات المعرفة، حيث إن الزمن يسير دائمًا إلى الأمام، والتاريخ لا يعود إلى الوراء أبدًا.

اقرا ايضا: فراغ ما بعد «الحريرية السياسية»: الشارع السُنّي بين ضياع الزعامة والتحوّلات المصيرية

السابق
عون يفتح باب التسوية من روما وسلام يثبّت الإصلاح من صيدا: لا سيادة بلا سلاح واحد
التالي
وقاحة المنظومة والثنائي: رفض صوت الاغتراب بحجة العجز اللوجستي!