فراغ ما بعد «الحريرية السياسية»: الشارع السُنّي بين ضياع الزعامة والتحوّلات المصيرية

سعد الحريري

يشهد الشارع السُنّي في لبنان منذ سنوات فراغًا قياديًا عميقًا، تكرّس بعد مغادرة رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري إلى دولة الإمارات، وابتعاده شبه الكامل عن المشهد السياسي المحلي. ومع انكفاء الحريرية السياسية التي شكّلت منذ تسعينيات القرن الماضي العمود الفقري للتمثيل السُنّي في الحكم، وجد هذا الشارع نفسه أمام أزمة هوية سياسية وقيادية في آن.

الغياب السعودي المباشر عن دعم أي مرجعية سُنّية بديلة زاد من تعقيد المشهد، خصوصًا أن الرياض التي كانت لعقود الراعي الأول للبيت السُنّي اللبناني، تبنّت في الأعوام الأخيرة سياسة نأي عن التفاصيل اللبنانية، تاركةً هذا المكوّن أمام أسئلة صعبة عن مستقبله السياسي ودوره الوطني.

نواف سلام… زعامة بلا طائفة

في مقابل هذا الفراغ، برز اسم رئيس الحكومة الحالي نواف سلام كوجه إصلاحي يتمتع برصيد دولي واحترام واسع في الأوساط السيادية. غير أن سلام، الذي يحرص على تقديم نفسه كرجل دولة فوق الاصطفافات، لا يبدو راغبًا في بناء زعامة سُنّية تقليدية. فهو يدرك أن استعادة الدولة لا تكون عبر استنساخ تجارب الطوائف الأخرى في الزعامة المذهبية، بل عبر ترسيخ مفهوم الدولة المدنية القوية.

هذا الخيار، رغم نبله الوطني، يترك الشارع السُنّي في حالة تيه سياسي، إذ لا يجد في سلام زعيمًا شعبيًا يعبّر عن قضاياه اليومية، ولا في القوى التقليدية الحالية بديلًا مقنعًا يعيد التوازن إلى المعادلة الوطنية المختلّة بفعل تمدد محور الممانعة.

اعلام المحور يفقدون شرعية الشارع

تبدو الشخصيات السُنّية القريبة من “محور حزب الله”، مثل رؤساء الحكومات السابقين “نجيب ميقاتي وفيصل كرامي وعبد الرحيم مراد، عاجزة عن اكتساب شرعية الشارع السُنّي. فهؤلاء الذين راكموا نفوذهم عبر علاقات براغماتية مع القوى الشيعية المهيمنة، يفتقرون اليوم إلى قاعدة شعبية قادرة على حمايتهم انتخابيًا، خصوصًا بعد تبدّل المزاج العام في الأوساط السُنّية نحو استعادة التوازن الوطني ورفض هيمنة السلاح.

ميقاتي الذي حاول تقديم نفسه كوسيط هادئ بين “الممانعة” والدولة، بات يُنظر إليه في طرابلس وعموم الشمال كجزء من المنظومة التي منحت حزب الله غطاءً حكوميًا وسياسيًا. أما كرامي ومراد، فيحملان إرثًا قديمًا من الانتماء إلى الخط السوري التقليدي، الذي لم يعد يجد له صدى واسعًا بعد التحولات التي شهدتها المنطقة وسقوط جزء كبير من نفوذ دمشق.

الانتخابات المقبلة: البحث عن مرجعية جديدة

مع اقتراب موعد “الانتخابات النيابية في أيار المقبل”، تتجه الأنظار إلى إمكانية بروز شخصية سُنّية قادرة على استعادة المبادرة. فالاستحقاق الانتخابي المقبل لن يكون مجرد منافسة على المقاعد، بل “اختبارًا لمستقبل التمثيل السُنّي” وموقعه في توازن القوى الوطني.

يبحث الشارع السُنّي عن زعامة تجمع بين “القدرة على المواجهة السياسية لمحور حزب الله” وبين القدرة على إعادة بناء مؤسسات الدولة، وهو ما يجعل المعركة المقبلة معركة هوية أكثر منها معركة صناديق اقتراع.

السنيورة… حارس الإرث السيادي

يبقى فؤاد السنيورة، رئيس الحكومة الأسبق وأحد أبرز أركان الحريرية السياسية التاريخية، اسمًا مطروحًا بقوة في النقاش السُنّي. فالرجل الذي صمد سياسيًا في وجه العواصف منذ عام 2005، ما زال يُنظر إليه كـ”ضمير سيادي” يجمع بين الخبرة والتجربة والالتزام بخيار الدولة.

غير أن السنيورة، رغم حضوره السياسي والإعلامي، لم ينجح بعد في تحويل رصيده الرمزي إلى حركة ميدانية واسعة، لأسباب تتصل بضعف التنظيم الميداني لتياره وغياب الدعم الخليجي الواضح، ما يجعل عودته إلى واجهة الزعامة مرهونة بتطورات اللحظة الإقليمية والانتخابية المقبلة.

فؤاد مخزومي… بين دار الفتوى وسلام الشجعان

يبرز كذلك اسم النائب فؤاد مخزومي، الذي كثّف في الأسابيع الأخيرة من نشاطه السياسي والاتصالي، خصوصًا عبر زياراته المتكررة إلى دار الفتوى وتصريحاته الداعية إلى “سلام الشجعان” في المنطقة، في تفاعل مباشر مع خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخير في الكنيست الإسرائيلي.

يحاول مخزومي أن يقدّم نفسه كوجه عصري واقتصادي قادر على الجمع بين الصلابة الوطنية والانفتاح الإقليمي، مستفيدًا من تراجع خصومه التقليديين ومن الفراغ في زعامة السُنّة. ومع أن تجربته الانتخابية السابقة أظهرت قدرة محدودة على اختراق الكتل الشعبية التقليدية، إلا أن حركته الأخيرة توحي بأنه يسعى إلى تأسيس زعامة بديلة عابرة للمناطق، تستمد مشروعيتها من خطاب سيادي إصلاحي لا طائفي الطابع، لكنه متجذّر في الهوية السُنّية السياسية.

إرث آل الحريري… ما زال حاضرًا

رغم ابتعاد سعد الحريري، لا يزال “الإرث الحريري” حاضرًا بقوة في وجدان الشارع السُنّي. فالجيل الذي نشأ على تجربة “الإعمار والدولة” لا يزال يرى في تيار المستقبل مرجعية معنوية، حتى وإن غابت قيادته الفاعلة.

شخصيتان تبرزان من هذا الإرث أحمد الحريري وشقيقه نادر، نجلا النائبة السابقة السيدة بهية الحريري، اللذان يتحركان بهدوء في بعض المناطق اللبنانية، في محاولات لإبقاء شعلة التيار التي اوقدها خالهما الشهيد رفيق الحريري مضاءة، تحسّبًا لأي تبدّل إقليمي يعيد فتح الباب أمام عودة “الحريرية السياسية” إلى الساحة.

نحو إعادة تشكيل الزعامة السُنّية

من الواضح أن الساحة السُنّية اللبنانية تدخل مرحلة إعادة تشكّل بطيئة ومعقّدة. فغياب الزعامة التقليدية وابتعاد الراعي الإقليمي، يقابله بحث عن معادلة جديدة توازن بين روح الدولة والتمثيل المذهبي الواقعي.

الرهان اليوم هو على بروز شخصية قادرة على قيادة الشارع السُنّي نحو مشروع وطني جامع، يواجه تمدد محور حزب الله ويعيد للدولة هيبتها في المؤسسات والبرلمان.

ومع بدء العدّ العكسي للاستحقاق الانتخابي، يبدو أن هذا الشارع، الذي خبر مرارة التهميش، لن يكتفي بالتصفيق من بعيد، بل سيطالب بزعامته الخاصة، تلك التي تجمع بين التجربة والجرأة والقدرة على استعادة التوازن الوطني المفقود.

اقرا ايضا: ارتدادات ايجابية لـ «سلام شرم الشيخ» على لبنان.. والرهان على نجاح الدولة

السابق
القاضي الحجار أحال شكوى ضد «اللبنانيون الجدد» بجرائم مرتبطة بمحاباة إسرائيل
التالي
تسريب جوازات سفر الوفد السوري إلى لبنان يتفاعل.. متري: تصرف مشين