في كل مرة تُطرح فيها مسألة مشاركة اللبنانيين المغتربين في الانتخابات النيابية، تُسارع المنظومة الحاكمة، وعلى رأسها الثنائي، إلى اختراع الذرائع الواهية لمنع الاغتراب من أن يكون شريكًا فعليًا في صناعة التغيير. وآخر ما جاد به خيال هذه السلطة هو الادعاء بعدم وجود “قدرة لوجستية” تسمح بخوض الحملات الانتخابية في الخارج، وكأنّ اللبناني المقيم في بلاد الانتشار هو مشكلة وطنية لا قيمة لصوته، لا مواطنٌ له الحق في أن يختار ممثليه في المجلس النيابي.
هذه الحجة السخيفة ليست سوى ستار سياسي مفضوح يُراد من خلاله حصر انتخاب المغتربين بستة نواب فقط، بدل أن ينتخبوا كامل أعضاء المجلس النيابي البالغ عددهم 128 نائبًا، كلٌّ وفق مكان قيده الأصلي في لبنان. فالقانون الحالي، ولا سيما المادتان 112 و122 من قانون الانتخاب، يهدفان عمليًا إلى عزل الاغتراب عن المشهد الوطني، وتقزيم دوره عبر إنشاء دائرة مصطنعة لا تمثّل أحدًا. إنّ إلغاء هاتين المادتين ضرورة وطنية ودستورية، لأنّ المشاركة الشاملة للمغتربين هي حق طبيعي لا يجوز مصادرته أو تحويره.
ذريعة “العجز اللوجستي”: غطاء للخوف من الوعي المغترب
أما ما يُسمّى “العجز اللوجستي” فليس سوى ذريعة مكشوفة، لأنّ المنظومة ذاتها التي تملك القدرة على تسيير جيوش من الموظفين والأنصار يوم الانتخابات، وشراء الولاءات بالأموال الطائلة، لا يمكن أن تعجز عن تنظيم اقتراع شفاف في السفارات والقنصليات. إنها لا تخشى التعقيد التقني، بل تخشى الوعي والتحرر اللذين يجسدهما اللبناني المغترب، الذي يعيش في بيئات ديمقراطية تحترم القانون والكرامة الإنسانية، ويصعب إخضاعه بالتهديد أو بالمال السياسي.
ولعلّ المفارقة الأكبر أنّ الثنائي نفسه، الذي يشتكي من صعوبة إدارة الحملات في الاغتراب، يمارس داخل لبنان أبشع أنواع الترهيب السياسي والطائفي. فهو يمنع أي مرشّح شيعي خارج لوائحه من التحرّك بحرية، ويُطلق جيوشه الإعلامية وذبابه الإلكتروني لتخوين كل مخالف، بل يصل الأمر إلى الاعتداء على المرشحين ومندوبيهم في مراكز الاقتراع، ناهيك عن نهج التزوير المنظّم عبر التحكم برؤساء الأقلام والعناصر الأمنية، واستدعاء “الأحياء والأموات” للإدلاء بأصواتهم وفق ما تقتضيه مصلحة الحزب.
ولا يمكن تجاهل ما يُعرف بـ“الرواتب الشهرية” التي تُوزّع على موظفي الحزب ومقاتليه والكرتونة لبيئته تحت مسمّى “مساعدات اجتماعية”، وهي في حقيقتها رشاوى انتخابية ترسّخ الفساد وتحوّل المواطنين إلى أسرى الحاجة والولاء.
الميغاسنتر: بوابة الشفافية التي تخشاها المنظومة
أمام هذا الواقع، يصبح إقرار الميغاسنتر ليس مجرد مطلب تقني، بل حاجزًا وحيدًا أمام التزوير والتلاعب بالإرادة الشعبية. فالميغاسنتر يمنح الناخب حرية التصويت حيث يقيم، بعيدًا عن قبضة الزعماء المحليين ومفاتيحهم الانتخابية. لذلك تُعارضه المنظومة، وعلى رأسها الثنائي، بكل شراسة، لأنها تدرك أن أي إجراء يفتح باب الشفافية هو بداية نهايتها.
إنّ المنظومة، وعلى رأسها الثنائي، تمارس أقصى درجات الوقاحة السياسية حين تتحدّث عن الدستور والديمقراطية وهي أوّل من يدوس عليهما. فالوطن لا يُستعاد بالشعارات الجوفاء، بل بإعادة الاعتبار إلى صوت اللبناني الحر، في الداخل كما في الاغتراب، ليقول كلمته دون خوف أو تبعية.
فلبنان لن ينهض إلا حين يُلغى التمييز بين المقيم والمغترب في حق الاقتراع، ويُعاد للمواطن كرامته وحقه الكامل في المشاركة في تقرير مصير وطنه، بعيدًا عن سطوة المال والسلاح والنفاق والعهر السياسي.
اقرا ايضا: فراغ ما بعد «الحريرية السياسية»: الشارع السُنّي بين ضياع الزعامة والتحوّلات المصيرية

