عن «صور»..التي آلمتها الكهولة

صورة جوية لمدينة صور - تصوير رامي زريق

لم تكن مدينة صور جنوب لبنان بأقدميّتها الجغرافيّة وأصالتها التاريخيّة عنواناً لمقال أو مقولة ترثي الواقع اللبناني ككلّ كما هو حالها الآن، فقبل عام تقريبا، وبعد حرب استمرّت لأكثر من شهرين أدّت لضرب واجهتها السياحيّة والتنكيل بهدوئها والطعن بأمانها من قبل الاحتلال الاسرائيليّ، ها هي مدينة الاسكندر والمماليك والإمام موسى الصدر تحاول استعادة أنفاسها، يمكننا ملاحظة التغيّرات السلبيّة والإيجابيّة التي اكسبتها المدينة رغم نجاح الموسم السياحيّ فيها.

التغيير الديمغرافي وداء الصمت

لم تعد صور مدينة، بهذه البساطة والمباشرة يمكننا تحديد الواقع وتشخيص الحالة الاجتماعيّة الجغرافيّة للمدينة.

فعدد الشيوخ والنساء يتجاوز عدد الشباب بأضعاف، والأطفال ما عادوا يتخذون من الشوارع ملاذاً للركض خلف كرات أحلامهم، خوفاً من غارة اسرائيليّة مباغتة أو جدار صوت قد يهزّ كيان البيوتات.

المقاهي قلّصت عدد الكراسي المتناثرة وتخلّت عن الأرصفة تجنبًا لدفع ضريبة أو الدخول في اتفاق استثمار مع البلديّة، أثر هذا الحدث الديمغرافي والاجتماعيّ تجلّى بانكفاء من تبقّى من متقاعدين إلى الانكفاء في البيوت، أو الخروج من المدينة نحو قرى أخرى أو موطن آخر.

 الشوارع في مدينة صور، لم تعد تحتمل أي ضجيج، وحدها أصوات طائرات الإستطلاع الاسرائيليّة المعادية أو سيّارات التاكسي الفارغة تعبر لتكسر هذا الصمت الثقيل، تسأل الناس المنحنية ظهورها عن الحال، يجيبونك بسؤال :” جايي الحرب؟ “

البلديّة تحاول رفع الركام

 لا يقتصر الركام في صور على بقايا الأبنية المدمّرة جرّاء القصف الاسرائيلي، سواء في شارع المصارف أو حيّ الآثار، الركام هو أيضاً تلك الفوضى التي كانت تنخر المدينة نتيجة تأخر البلديات المتعاقبة عن لململة الكوارث والضرائب ومحاولة تعزيز الاستقرار وتحييد المدينة عن حرب العصابات التي تمارس في شوارع صور، تبدأ بلديّة صور اليوم بالحدّ من تقدّم الكارثة.

فبالرغم من تململ الناس من تكثيف حركة جباية الضرائب إلّا أن نشاطات انمائيّة واجتماعيّة ظهرت بشكل غير مألوف عبر توزيع رسائل تحفيزية على مراكز الامتحانات الرسميّة لرفع معنويّات طلّاب الشهادتين المتوسّطة والثانويّة العامّة، تشجير المدينة برعاية ودعم من مطاعم الجواد، تكثيف الدوريات الأمنيّة ليلاً، ملاحقة الدرّاجات الناريّة المخالفة، ابعاد الأكشاك والعربات المخالفة عن الطرقات والأرصفة، إزالة اللافتات الخاصّة بالمحلات والمتاجر المخالفة، فتح الباب أمام الشباب الموهوبين لدعم تواقيع كتبهم ونشر محتواهم الابداعي…

لكن تعزيز تلك الخطوات رغم جدّيتها ليست كافية حتّى الآن… فالضوء يتركّز فقط على الكورنيش البحري، الخط السياحي الذي يضج بمطاعم تخضع تجاريّا للثنائي الشيعي، كأنّنا أمام بقعة يعتلجها الظلام ويحتكرها أنصار الثنائي من المتمولين والمغتربين والمقبلين من خارج المدينة.

تحاول صور كل يوم أن تخرج من غبار الحرب، أن تتأقلم مع واقعها الجديد، صور التي يصرّ أهلها على التعافي من الماضي الثقيل، ما زالت تترنّح بين هدوء قائم وعاصفة عاتية محتملة، صور أصبحت الآن قرية كبيرة يحاول أهلها بصمت التنفس بأمان.

إقرأ أيضا: لغز 7 أكتوبر: لماذا تردد «الحزب» ولم يدخل المعركة رغم خطة اقتحام الجليل

السابق
حماس: لن نشارك في حكم قطاع غزة
التالي
صمتٌ أعلى من الصوت.. كيف يهيّئ «الحزب» وتيار المستقبل أرض التحالفات المقبلة في لبنان