صمتٌ أعلى من الصوت.. كيف يهيّئ «الحزب» وتيار المستقبل أرض التحالفات المقبلة في لبنان

حزب الله وتيار المستقبل

في بلدٍ تعوّد أن تكون أصوات الشوارع أقوى من قرارات الدولة، يطلّ لبنان اليوم على مشهد أكثر تعقيدًا،صمتٌ مدروس يشبه هدوء ما قبل العاصفة.

في بيروت وصيدا، خرج حزب الله من مربّعه التقليدي إلى قلب المدن المختلطة، لا بالسلاح ولا بالبيان، بل بلغة الرموز والإشارات.

حين أُضيئت صخرة الروشة بصور قادته مع صور الرئيس الشهيد رفيق الحريري و الرئيس السابق سعد الحريري ،متحدية قرار الحكومة بمنع استغلال المعالم العامة لأغراض حزبية، لم يكن الحدث مجرد احتفال أو مبادرة عاطفية.

ما بدا تمرينًا ضوئيًا على صخرة الروشة، ليس إلا انعكاسًا بصريًا لمعركة سياسية حقيقية تُدار في الخفاء، وما يبدو حيادًا من تيار المستقبل هو على الأرجح مناورة انتخابية متقدمة قد تغيّر شكل التحالفات في ٢٠٢٦

كان اختبارًا سياسيًا محسوبًا في قلب العاصمة التي لطالما اعتُبرت رمزًا  مدنيًا بعيدًا عن استعراضات القوة.

المشهد ذاته بدا كأنه مناورة استكشافية لقياس ردود الفعل ،إلى أي حدّ يستطيع الحزب أن يمدّ نفوذه الرمزي إلى داخل الأحياء المحسوبة على خصومه؟ وما مدى استعداد السلطة  ورئيس حكومتها تحديدًا نواف سلام  تحديدا تثبيت هيبة الدولة من دون أن تنزلق البلاد إلى مواجهة مفتوحة؟

حين أُضيئت صخرة الروشة بصور قادته مع صور الرئيس الشهيد رفيق الحريري و الرئيس السابق سعد الحريري ،متحدية قرار الحكومة بمنع استغلال المعالم العامة لأغراض حزبية، لم يكن الحدث مجرد احتفال أو مبادرة عاطفية

النتيجة كانت لافتة،لا مواجهة ميدانية، ولا بيانات استنكار وازنة، لا من الحكومة ولا من القيادات السنيّة التقليدية، وكأن الجميع قرّر أن يراقب بصمت.

لكنّ هذا الصمت ليس بريئًا، في السياسة اللبنانية، الصمت أحيانًا أبلغ من الخطاب، وما بدا حيادًا في الظاهر هو في جوهره تحوّل في قواعد اللعبة،فتيار المستقبل الذي خسر الكثير من زخمه بعد تعليق سعد الحريري نشاطه السياسي، لم يختفِ فعليًا بل تراجع إلى الصفوف الخلفية ينتظر لحظة العودة.

إقرأ أيضا: حارث سليمان يكتب لـ«جنوبية»: هزيمة مزدوجة للإسلام السياسي واسرائيل التوراتية

الحزب من جهته، يدرك أن قوته العسكرية لا تكفيه إذا أراد تثبيت نفوذه في المؤسسات، وأنه بحاجة إلى واجهة سنيّة تغطي حضوره في مرحلة ما بعد التوازنات الإقليمية الجديدة.

ي السياسة اللبنانية، الصمت أحيانًا أبلغ من الخطاب، وما بدا حيادًا في الظاهر هو في جوهره تحوّل في قواعد اللعبة

هكذا بدأت تتشكل معادلة الصمت ،حزب الله يحتاج إلى غطاء سياسي سُنّي، وتيار المستقبل يحتاج إلى ممر آمن نحو الانتخابات من دون أن يصطدم مباشرة بالحزب أو يخسر علاقاته الخارجية.

بين الطرفين مساحة رمادية تُدار فيها رسائل متبادلة ،هدنة تكتيكية مقنّعة ببرود سياسي مدروس.

صيدا، المدينة التي كانت يومًا حصنًا من حصون المستقبل، شهدت بدورها فعالية رمزية في الملعب البلدي، فبدت وكأنها إشارة ثانية ضمن المشهد نفسه،الحزب قادر على تجاوز الحدود الجغرافية والسياسية، دون مقاومة تُذكر.

في بلد مثل لبنان، لا تُختار الأماكن عبثًا، فحين يذهب الحزب إلى بيروت وصيدا، فهو لا يخاطب جمهوره، بل يخاطب خصومه، فيقول لهم أنا هنا، في قلب مناطقكم، ولا أحد يعترض!

في المقابل نواف سلام، الرجل الذي دخل السراي من بوابة القانون والدبلوماسية، يجد نفسه اليوم في أكثر اللحظات حساسية،فهو يُحاول أن يعيد للدولة ما تبقّى من هيبتها وسط سلطةٍ تميل إلى التآكل.

سلام لا يرفع الصوت، لكنه يصرّ على أن تبقى المؤسسات مرجعًا لا ديكورًا.

خصومه يصفونه بالضعف، لكن في بلدٍ انهارت فيه اللغة الرسمية لصالح الشعبوية، يصبح الهدوء شكلاً من أشكال المقاومة. سلام يواجه منطقًا كاملًا يحاول إعادة إنتاج المنظومة القديمة بوجوه جديدة، وهو يدرك أن معركته الحقيقية ليست ضد حزب الله فقط، بل ضد ثقافة سياسية كاملة ترى في التسوية الدائمة طريق البقاء.

في بلد مثل لبنان، لا تُختار الأماكن عبثًا، فحين يذهب الحزب إلى بيروت وصيدا، فهو لا يخاطب جمهوره، بل يخاطب خصومه، فيقول لهم أنا هنا، في قلب مناطقكم، ولا أحد يعترض!

كل ذلك يحدث فيما البلاد تتهيّأ لانتخابات ٢٠٢٦ ،التفاهمات التي تُصنع في الكواليس اليوم ستحدّد شكل البرلمان المقبل، ومن خلاله شكل الحكومة، وربما هوية الرئيس التالي للجمهورية.

إنها مرحلة ما قبل إعادة توزيع السلطة، حيث كل طرف يعيد رسم تحالفاته بذكاء بارد،لا أحد يريد التصعيد، ولا أحد يملك ترف الصدام،الجميع يتهيأ لصفقة أكبر تُغلف بعنوان الاستقرار.

في هذا السياق، يصبح الصمت لغة المرحلة لكنه صمتٌ أعلى من الصوت،صمت يُخطّط، ويحسب، ويُعيد التموضع.

فما بدا تمرينًا ضوئيًا على صخرة الروشة، ليس إلا انعكاسًا بصريًا لمعركة سياسية حقيقية تُدار في الخفاء، وما يبدو حيادًا من تيار المستقبل هو على الأرجح مناورة انتخابية متقدمة قد تغيّر شكل التحالفات في ٢٠٢٦

أما دولة الرئيس القاضي نواف سلام، فوجوده في المعادلة يذكّر بأن الدولة لم تمت بعد، وأن ثمة من لا يزال يجرؤ على الدفاع عنها بهدوء.

إقرأ أيضا: انتهت حرب غزّة… فمتى تنتهي حرب لبنان؟

قد يطاله التهميش في لحظة التسويات، لكنه يظلّ في الوجدان العام رمزًا لما تبقّى من فكرة لبنان الذي يُدار بالقانون لا بالاستقواء.

وحتى لو بدا وحيدًا الآن، فإن التاريخ السياسي في لبنان لطالما أنصف الذين خاضوا معركتهم بصمت.

في النهاية، لبنان يُكتب اليوم بلغة الرموز لا البيانات.

صخرة الروشة تحوّلت إلى مرآة تُظهر ما يجري خلف الجدران،إعادة ترتيب أوراق السلطة على إيقاع صمتٍ محسوب، تتقاطع فيه مصالح الحزب مع طموحات التيار، بينما يقف نواف سلام بصفته آخر ممثلي منطق الدولة  في مواجهة صمتٍ يُريد أن يبتلع كل الأصوات.

السابق
عن «صور»..التي آلمتها الكهولة
التالي
إيران لن تشارك فی قمة شرم الشیخ غدًا