مع حلول الذكرى السنوية الأولى لاندلاع الحرب الإسرائيلية على “حزب الله”، عادت طهران لتكرّس حضورها السياسي والإعلامي في لبنان، عبر مواقف مباشرة من قيادتها العليا حملت رسائل واضحة مفادها أنّ نفوذها في الساحة اللبنانية ما زال قائماً وأنّ الحزب جزء لا يتجزأ من مشروعها الإقليمي.
تصريحات قاليباف: طريق السلاح لم يُغلق
رئيس مجلس الشورى الإيراني، محمد باقر قاليباف، حاول طمأنة جمهور “المقاومة” عبر تأكيده أنّ طريق تسليح “حزب الله” ليس “مسدوداً بالكامل”، وإن أقرّ بوجود “صعوبات”. وأضاف أنّ الحزب “حيّ وأكثر حيوية من أي وقت مضى” على المستويات الفكرية والعسكرية والتنظيمية، لكنه لم يُخفِ الإقرار بوجود تحديات تواجهه في المرحلة الحالية.
وتأتي تصريحات قاليباف حول السلاح في ظل احتمالات التصعيد الإسرائيلي ضد لبنان، وتحمل في طياتها تحريضا مبطنا على استمرار تدفق السلاح لحزب الله ما يغذي الذرائع الإسرائيلية باستهداف لبنان من جديد، في وقت تحال فيه الدولة اللبنانية بذل الجهود لمنع تكرار الحرب وحصر السلاح ومنع الذرائع الإسرائيلية.
خامنئي: نصرالله “ثروة باقية”
أما المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، فاختار خطاباً رمزياً ذا بعد عقائدي، قائلاً إنّ قصة “حزب الله” في لبنان مستمرة، واصفاً الأمين العام الراحل للحزب حسن نصرالله بأنّه “ثروة عظيمة للعالم الإسلامي، لا للبنان فحسب”. وأكد أنّ هذه “الثروة لم تضِع بل بقيت”، داعياً إلى عدم الاستهانة بالحزب الذي اعتبره “رصيداً للبنان ولغيره”.
كما كتب السفير الايراني في لبنان مجتبى أمانى في منشور على منصة “إكس”، أشار فيه إلى رسالة المرشد الأعلى السيد علي خامنئي في ذكرى نصر الله، وجاء في الرسالة: “أرى من الضروري أن أستذكر المجاهد العظيم، الشهيد السيد حسن نصرالله، في ذكرى استشهاده”.
وتابع، “لقد كان السيّد حسن نصراللّه ثروةً عظيمةً للعالم الإسلامي، لا للتشيّع فحسب، ولا للبنان فقط، بل للعالم الإسلامي أجمع. وبالطبع، لم تضيع هذه الثروة؛ بل بقيت”.
وأضاف: “رحل السيّد حسن نصر الله، لكن هذه الثروة التي أوجدها لا تزال باقية. إنّ حكاية حزب اللّه في لبنان هي حكاية مستمرّة”.
وختم: “لا ينبغي الاستهانة بحزب اللّه، ولا الغفلة عن هذه الثروة المهمّة. إنّه ثروة للبنان ولغير لبنان”.
تزامن مع إحياء ذكرى في الروشة
هذه المواقف الإيرانية جاءت قبل ساعات من الاحتفال الذي دعا إليه “حزب الله” في منطقة الروشة، إحياءً لذكرى اغتيال أمينيه العامين حسن نصرالله وهاشم صفي الدين.
الحدث الذي أثار جدلاً واسعاً بعدما تقدمت جمعية مقربة من الحزب بطلب ترخيص رسمي لتنظيم تجمع على الكورنيش البحري.
وأعطى المحافظ الإذن بشرط الالتزام بعدم قطع الطرق أو تعطيل السير، والحفاظ على الممتلكات العامة، وعدم إضاءة صخرة الروشة أو عرض صور عليها، وذلك تماشياً مع التعميم الصادر عن رئيس الحكومة نواف سلام.
وفي السياق نفسه، كشفت معطيات أمنية أنّ القوى الأمنية ستنتشر في محيط المنطقة مساء اليوم لتطبيق القوانين ومنع أي تجاوز، وسط مخاوف من استغلال المناسبة لإشعال توتر داخلي.
“حزب الله” ماضٍ في برنامجه
رغم القيود الرسمية، نقلت صحيفة “النهار” عن مصادر مقرّبة من الحزب أنّ الاستعدادات مستمرة لإقامة النشاط وفق البرنامج المقرر، بما في ذلك إضاءة صخرة الروشة بصورتي نصرالله وصفي الدين، في تحدٍّ واضح للتعميم الحكومي. وأشار المصدر إلى أنّ “البلبلة افتعلتها مواقع التواصل الاجتماعي”، مؤكداً أنّ الحدث سيشهد حضوراً واسعاً من أنصار الحزب، وأنّ “المصطادين في الماء العكر لن ينجحوا في إثارة الفتنة”.
وتأتي عودة التصريحات الإيرانية المتزامنة مع الإصرار على إحياء ذكرى الحرب في قلب بيروت، لتكشف من جديد عن محاولة واضحة من طهران لتجديد نفوذها في لبنان وتثبيت موقع “حزب الله” كذراع أساسية في مشروعها الإقليمي. وفي وقت تتحدث فيه الدولة اللبنانية عن سيادة القانون وضرورة ضبط الفضاء العام، تبدو طهران ماضية في استخدام الحزب ورمزيته لتعطيل أي مسار مستقل يعيد للدولة هيبتها.

