في عالم يشتد فيه الصراع وتتراجع فيه فرص التسوية، يطلّ الاعتراف المتزايد بدولة فلسطين كوميض أمل يعيد إلى الواجهة فكرة السلام العادل والشامل. فبعد سنوات من الجمود، جاءت مبادرات عربية ودولية – تقودها المملكة العربية السعودية وفرنسا – لتكسر حاجز الصمت، وتعيد تفعيل الحراك الدبلوماسي باتجاه الاعتراف بالحقوق الفلسطينية المشروعة، وعلى رأسها إقامة دولة مستقلة ذات سيادة.
وقد مثّل هذا التقدم لحظة مفصلية، توّجتها قمة عالمية عقدت في مقرّ الأمم المتحدة بتاريخ 22 أيلول/سبتمبر، برئاسة السعودية وفرنسا، حيث نجحت الجهود الدبلوماسية المشتركة في بناء إجماع دولي حول مشروع الاعتراف بدولة فلسطينية.
ومن أبرز الاعترافات التي صدرت خلال هذه الفترة كان اعتراف المملكة المتحدة، الدولة التي أصدرت “وعد بلفور” عام 1917، والذي مهّد الطريق لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. إلا أن الاعتراف البريطاني الجديد جاء بصيغة مختلفة، تستند إلى مبدأ حل الدولتين، أي إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل.
أما فرنسا، فقد لعبت دورًا محوريًا داخل الاتحاد الأوروبي لإقناع دوله بضرورة الاعتراف بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم، حيث أكّد الرئيس إيمانويل ماكرون أن مشاكل الشرق الأوسط لن تُحل ما لم تُقام دولة فلسطينية ذات سيادة على حدود عام 1967، تعيش بأمن وسلام إلى جانب دولة إسرائيل.
التحرّك العربي… عودة إلى المبادرة الأصلية
يمثّل هذا الحراك الدبلوماسي المتسارع عودة إلى روح مبادرة السلام العربية، التي أطلقت في قمة بيروت عام 2002، بمبادرة من الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، والتي قامت على مبدأ “الأرض مقابل السلام”.
وقد حرصت دول الاعتدال العربي، وفي مقدمتها السعودية، على إحياء هذه المبادرة في سياق دولي جديد، يقوم على تقديم السردية العربية للعالم الغربي: سردية قائمة على أن العرب يريدون السلام ومستعدون للتطبيع والتعايش، ولكن ضمن إطار يضمن الحقوق الوطنية للفلسطينيين.
هذه الجهود لم تقتصر على البيانات السياسية، بل شملت حملات إعلامية، ولقاءات دبلوماسية، وندوات موجهة للرأي العام الغربي، تهدف إلى تصحيح الصورة المشوّهة التي روجت لها إسرائيل لعقود.
وقد ساعدت هذه الجهود في فضح الرواية الإسرائيلية الرسمية، لا سيما تلك المبنية على ما يُعرف بـ”اتفاقات أبراهام”، والتي كانت تسعى لتسويق أن العرب مستعدون للسلام دون الحاجة لحلّ القضية الفلسطينية.
غزة نقطة التحوّل… والرأي العام العالمي يتغيّر
لقد شكّل العدوان الإسرائيلي على غزة نقطة تحوّل كبيرة في مواقف الشعوب الغربية. فالمجازر التي ارتكبتها حكومة اليمين المتطرف بقيادة بنيامين نتنياهو ساهمت في تغيير المزاج العام في الشارع الغربي، وأظهرت إسرائيل بصورة الدولة المعتدية، بدلًا من صورتها التقليدية كـ”دولة محاصرة بالدول المعادية”.
وهذا ما استثمرته الدول العربية بذكاء، من خلال التأكيد على أن إقامة دولة فلسطينية ليس فقط حقًا إنسانيًا وسياسيًا، بل ضرورة إقليمية وعالمية لحفظ الاستقرار ومحاربة التطرّف بكافة أشكاله.
الاعتراف… خطوة نحو العدالة
تقول الدول التي تتجه نحو الاعتراف بدولة فلسطين إن هذه الخطوة تهدف إلى الضغط على إسرائيل لإنهاء عدوانها على غزة، وقف بناء المستوطنات في الضفة الغربية، وإعادة الالتزام بعملية السلام وفقًا لقرارات الشرعية الدولية.
وقد انضمت في الآونة الأخيرة دول أوروبية وعالمية كبرى إلى هذا المسار، مثل إسبانيا، إيرلندا، النرويج، السويد، الدنمارك، فنلندا، أيسلندا، كندا، أستراليا، روسيا، والصين، ما يعني أن غالبية أعضاء مجلس الأمن الدولي باتت مقتنعة بضرورة إقامة دولة فلسطينية. ولم يبقَ في مواجهة هذا التوجه سوى الولايات المتحدة، التي لا تزال تُلوّح بحق النقض (الفيتو) لإعاقة أي قرار ملزم يُمرّر عبر المجلس.
ويُذكر أن منظمة التحرير الفلسطينية كانت قد أعلنت قيام دولة فلسطين في عام 1988، وسرعان ما اعترفت بها معظم دول الجنوب العالمي. أما اليوم، فقد تجاوز عدد الدول المعترفة بالدولة الفلسطينية 150 دولة من أصل 193 عضوًا في الأمم المتحدة، ما يجعلها من أكثر القضايا التي حظيت بدعم دولي شبه كامل.
تجدر الإشارة إلى أن منظمة التحرير الفلسطينية كانت قد أعلنت قيام دولة فلسطين في عام 1988، وقد اعترفت بها آنذاك معظم دول الجنوب العالمي. أما اليوم، فتعترف أكثر من 150 دولة من أصل 193 عضوًا في الأمم المتحدة بدولة فلسطين.
ورغم أن الولايات المتحدة، الحليف الرئيسي لإسرائيل، ما تزال تدعم نظريًا حل الدولتين، فإنها تشترط التوصل إليه عبر مفاوضات مباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهي مفاوضات مجمّدة منذ سنوات. وحتى وقت قريب، كانت معظم الدول الأوروبية الكبرى تلتزم بالموقف نفسه، لكنها بدأت اليوم تراجع سياساتها تحت ضغط الرأي العام الداخلي والتطورات الميدانية.
صفعة سياسية… أم بداية جديدة؟
الاعتراف المتنامي بدولة فلسطين يُمثّل صفعة واضحة لسياسات حكومة نتنياهو وتحالفه اليميني المتطرف، كما يشكّل إحراجًا كبيرًا للولايات المتحدة أمام حلفائها في الغرب، الذين بدأوا يفقدون الثقة في قدرة واشنطن على أن تكون وسيطًا نزيهًا في هذا الصراع الطويل.
لكن العبرة لا تكمن فقط في الخطابات والاعترافات الرمزية، بل في تحويل هذا الزخم إلى خطوات عملية داخل مؤسسات الأمم المتحدة، لا سيما مجلس الأمن الدولي، عبر مشروع ملزِم يعترف بالدولة الفلسطينية كعضو كامل. غير أن هذه الخطوة ما تزال تصطدم باحتمال استخدام الفيتو الأمريكي، ما قد يعرقل التنفيذ القانوني على أرض الواقع.
السلام ليس حلمًا… بل مشروع يجب حمايته
إحياء الأمل بالسلام لا يتحقق فقط عبر البيانات السياسية، بل عبر إرادة دولية حقيقية تؤمن بأن الشعب الفلسطيني يستحق دولة، وأن العدالة شرط لا غنى عنه لتحقيق أمن دائم واستقرار شامل.
إن الاعتراف الدولي بدولة فلسطين ليس نهاية المطاف، بل بداية مرحلة جديدة يجب أن تُبنى على أرضية صلبة من الحقوق والقرارات الأممية، وليس على التوازنات المرحلية أو ضغوط المصالح.
وحده هذا الطريق – طريق العدالة والكرامة – هو ما سيضمن أمن الإسرائيليين والفلسطينيين على حدّ سواء، ويمنح المنطقة فرصة حقيقية لكسر دائرة العنف والانطلاق نحو سلام يستحقه الجميع.
اقرا ايضا: إحياء الأمل بالسلام: الاعتراف الدولي بدولة فلسطين وتحوّلات الموقف العالمي

