غادرت الموفدة اورتاغوس بيروت الى نيويورك، بعد مشاركتها في اجتماع اللجنة الخماسية الأمنية في رأس الناقورة، للبحث في آلية وقف العمليات العدائية الذي لم تلتزم به اسرائيل.
وكانت لجنة الاشراف على قرار وقف العمليات العدائية الخماسية الأمنية عقدت اجتماعا في رأس الناقورة، بحضور المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، وتركز البحث على متابعة تنفيذ اتفاق وقف النار.
وكشفت مصادر المعلومات أن أورتاغوس عبّرت عن اهتمام أميركي واسع بتقديم دعم مطلق للجيش اللبناني، مؤكدة التزام واشنطن بالاستقرار في لبنان.
كما أبلغ الوفد العسكري اللبناني الوفد الأميركي أن الخروقات الإسرائيلية المتكررة تعيق أي مساعٍ جديّة لحصر السلاح بيد الدولة، وقد أبدى الوفد الأميركي تجاوبًا إيجابيًا مع المخاوف اللبنانية. وعرض ما نفذه الجيش حتى الان واحتياجاته من اجل استكمال مهامه.
تزامن الموقفان الأميركي والإسرائيلي مجددًا حول “حزب الله”، ما يشي بمرحلة جديدة من الضغوط المركّبة على لبنان، سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا. ففي حين تواصل إسرائيل التلويح بعمليات عسكرية واسعة إذا لم يُنزع سلاح الحزب، أعلنت واشنطن عن إجراءات مالية جديدة تستهدف شبكات التمويل، في مشهد يعكس تنسيقًا واضحًا بين الجانبين.
مكافأة أميركية لملاحقة شبكات التمويل
أعلنت وزارة الخارجية الأميركية عن تخصيص مكافأة تصل إلى 10 ملايين دولار لأي شخص يدلي بمعلومات عن شبكات التمويل التابعة لـ”حزب الله”، معتبرة أن استهداف هذه الشبكات يمثل إحدى الأدوات الفاعلة في تقويض قدرات الحزب العسكرية والسياسية. هذه الخطوة ليست جديدة في سياق العقوبات الأميركية، لكنها تأتي في توقيت حساس، مع تزايد الحديث عن إعادة تموضع الحزب بعد الحرب الأخيرة في الجنوب، وما خلفته من خسائر مادية وبشرية.
براك: لبنان يكتفي بالكلام ولا خطوات فعلية لنزع السلاح
في موازاة ذلك، أجرى الموفد الأميركي إلى سوريا، توم براك، مقابلة مع قناة “سكاي نيوز عربية”، شدد خلالها على أن “حزب الله عدونا وإيران عدوتنا، ونحن بحاجة إلى قطع رؤوس هذه الأفاعي ومنع تمويلها”. وأوضح أن الحزب يحصل على ما يصل إلى 60 مليون دولار شهريًا من مصادر غير محددة، معتبرًا أن هذا التدفق المالي يسمح له بإعادة بناء قوته رغم الأزمات.
وأشار براك إلى أن الجيش اللبناني “منظم لكنه غير مجهز جيدًا”، ورأى أن الحكومة اللبنانية لم تتخذ أي خطوات عملية في ملف السلاح، قائلاً: “كل ما يفعله لبنان هو الكلام، ولم يحدث أي عمل فعلي”. لكنه استدرك موضحًا أن واشنطن لا تنوي التدخل عسكريًا لمواجهة الحزب، “سواء عبر قواتها أو من خلال القيادة المركزية الأميركية”، في إشارة واضحة إلى ترك زمام المبادرة الميدانية لإسرائيل.
تل أبيب: العام المقبل حاسم
من الجانب الإسرائيلي، نقلت قناتا “العربية” و”الحدث” عن مصادر أمنية رفيعة أن “حزب الله يحاول إعادة ترميم نفسه ما يستدعي يقظة مستمرة”. وأكدت هذه المصادر أن إسرائيل ترى أن وضع الحزب العسكري “غير محسوم”، لكنها تراقب عن كثب أي إعادة انتشار أو إعادة تسلح.
وأوضحت المصادر أن العام المقبل سيكون “عامًا حاسمًا”، إذ لا يمكن لإسرائيل أن تسمح باستمرار حالة “الرمادية” التي يعيشها لبنان بين سلطة الدولة وسلطة الحزب. وأضافت: “إمكانية القيام بعملية برية أوسع في لبنان قائمة إذا تطلب الأمر”، مشيرة إلى أن إسرائيل لن تنتظر طويلاً، وإذا لم تُتخذ خطوات عملية لنزع سلاح الحزب “فسنوسع نشاطنا داخل لبنان”.
لبنان بين الضغوط الدولية والانقسام الداخلي
هذا التلاقي الأميركي ـ الإسرائيلي يضع لبنان أمام تحدٍ استثنائي. فمن جهة، تريد واشنطن ممارسة ضغط اقتصادي ـ أمني عبر استهداف شبكات التمويل، ومن جهة أخرى، تلوّح إسرائيل باستخدام القوة العسكرية المباشرة. وبينهما، يبقى لبنان الرسمي في موقع المتهم بالعجز، إذ تُظهر تصريحات براك أن الحكومة اللبنانية تفتقر إلى القدرة ـ وربما الإرادة ـ للقيام بأي خطوات عملية.
الداخل اللبناني، المنقسم أساسًا حول ملف “حزب الله”، سيجد نفسه أكثر فأكثر تحت المجهر. القوى المناهضة للحزب قد تعتبر أن الضغوط الخارجية فرصة لإعادة التوازن الداخلي وتكريس مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، فيما ستتهم القوى المؤيدة للحزب إسرائيل والولايات المتحدة بمحاولة فرض وصاية جديدة على القرار اللبناني.
أما الشارع اللبناني، المثقل بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية، فقد يجد نفسه بين مطرقة العقوبات والحصار، وسندان تهديدات الحرب المفتوحة. فالتصعيد، إذا تُرجم إلى مواجهة عسكرية واسعة، قد يضاعف من معاناة اللبنانيين الذين بالكاد يتعافون من تداعيات الحرب السابقة.
في هذا السياق، يبرز العام 2026 كسنة مفصلية، إما أن تنجح الدولة اللبنانية في إيجاد صيغة داخلية متوازنة لمعالجة ملف السلاح بما يخفف الضغوط الدولية، أو يظل الجمود سيد الموقف بما يفتح الباب أمام مواجهة عسكرية إسرائيلية قد تكون الأعنف منذ حرب 2006.
الرسالة واضحة من واشنطن وتل أبيب، وهي ان لا مكان للمنطقة الرمادية بعد الآن، والوقت يضيق أمام لبنان للقيام بخطوات ملموسة. وإلا، فإن الحسابات الإقليمية ستفرض عليه أثمانًا باهظة، قد تكون سياسية واقتصادية وربما عسكرية.
إقرأ أيضا: معركة كسر الاحتكار الشيعي.. بين «الحزب» والتغيير

