لا يمر كتاب “محنة عمامة.. في رواية أخرى…” مرَّ الكرام على القارئ.. فهو نص يطفح بالغضب، ويصرخ في وجه المؤسسة الدينية بجرأة لا تخلو من التهوّر أحياناً، إنه عمل ينتمي إلى الأدب النقدي الذي يتوسّل اللغة كسلاح أكثر من كونه وسيلة هادئة للتفكير أو التأمل.
لغة متقعّرة ونَفَس انفعالي
أولى الملاحظات التي تفرض نفسها بقوة هي اللغة التي اختارها الكاتب. فهي لغة متقعّرة.. تميل إلى استخدام مفردات قديمة ومحلية الطابع مثل “كاغد” وغيرها.. هذه المفردات، رغم قيمتها التراثية، تجعل النص مربكاً وغريباً عن القارئ المعاصر. يضاف إلى ذلك الجمل الطويلة التي تمتد على أكثر من سطر، لا بل سطور، دون فواصل أو علامات ترقيم كافية.. مما يجعل عملية القراءة أقرب إلى الجهد البدني منها إلى المتعة الذهنية. فالنص يلهث والقارئ يلهث معه… بالإضافة إلى ذلك، النص يفيض بالسخرية والاتهام.. فهو لا يقدّم قراءة تحليلية أو نقداً فكرياً منهجياً. هو كتاب يتوسّل النبرة الهجومية واللغة المشحونة بالعاطفة. رجال الدين في هذا الكتاب ليسوا سوى “تجار دنانير ونساء”.. يستغلّون الفقراء ويغسلون عقولهم باسم العقيدة. قد يرى البعض في هذا الطرح شجاعة وجرأة… بينما يراه آخرون تسطيحاً لقضية معقدة تحتاج إلى مزيد من العمق والإنصاف.
على الرغم من أن بعض المقاطع تتخذ طابعاً روائياً.. إلا أن الكتاب في جوهره أقرب إلى كُرّاس تأملات أو هتافات فكرية متتالية… لا يوجد تسلسل درامي، ولا شخصيات يمكن التعلّق بها أو تتبّع تطورها. إنها نصوص مكثفة.. مكتوبة بنَفَس انفعالي.. لا تمهل القارئ لالتقاط أنفاسه أو إعادة التفكير.
ومع ذلك… ثمة جمر تحت الرماد.
غضب حقيقي وسخط على الاستغلال
فرغم هذه المآخذ الأسلوبية، لا يمكن إنكار أن الكتاب يحمل شعوراً داخلياً حقيقياً بالغضب من الواقع، وسخطاً على الاستغلال الديني. هناك جمل تلمع بصوابيتها، تصيب القارئ في قلبه مثل:
“عذراً.. لقد قايضت نفسي بتأشيرة دخول إلى جنة من صنع البشر، لا من صنع الله تعالى…”
فيه جمل مكثفة وموجعة تقول الكثير بأقل قدر من الكلمات!
“محنة عمامة” كتاب ليس من السهل تصنيفه أو التوصية به. ليس ممتعاً بالمعنى التقليدي، لكنه صادم. وليس عميقاً بمنهجيته، ولكنه جارح في صدقه. عمل يشبه بركاناً لغوياً، يفجّر ما يعتمل في نفس كاتبه من سخط على الواقع الديني والسياسي والاجتماعي، وإن كان ذلك على حساب البنية الفنية والوضوح.
هو كتاب يزعج القارئ.. وقد يكون هذا أكبر فضائله.
لكن لعل أعقد ما في هذا الكتاب هو ما يكمن في عنوانه ذاته (محنة عمامة). فالمحنة ليست حكراً على العمامة التي أصبحت رمزاً للتسلّط أو التواطؤ كما يصوّرها الكاتب، بل تمتد إلى القارئ نفسه، الذي يقع في محنة موازية: محنة القراءة. الكاتب في محاولته تعرية سلطة العمامة، يخلق سلطة أخرى… سلطة النص الغامض المتشابك واللغة التي تُقفل على القارئ بدل أن تفتحه على الفهم.
بعبارة أخرى.. يجد القارئ نفسه في مواجهة نص يرهقه كما أرهقت العمائم الناس بخطبها ومواعظها. وبدل أن يكون النص أداة تفكيك ووعي، يغدو هو نفسه عقدة لغوية.. محنة من نوع آخر. وكأن الكاتب يقول: كما تُباع العمائم، تُباع المعاني… وكما تُستغل العقول، تُستهلك اللغة بلا رحمة… إنها محنة مزدوجة: محنة المؤسسة التي تستغل، ومحنة النص الذي يربك. وبينهما، يقف القارئ تائهاً، تتنازعه الرغبة في الفهم والحاجة إلى التنفّس.
اقرا ايضا: عباس حايك في عمامة أخرى

