يشهد لبنان اليوم منعطفًا مفصليًا في تاريخه السياسي والأمني مع شروع الدولة في حصر السلاح بيد مؤسساتها الشرعية وبدء الجيش اللبناني سحب الأسلحة من مخيم عين الحلوة، في خطوة تعكس جدية غير مسبوقة بإعادة الاعتبار إلى الدولة ومؤسساتها العسكرية.
هذه التطورات تأتي في سياق إقليمي ودولي متشابك منذ خريف العام الماضي، حين انتهت المواجهة بين حزب الله وإسرائيل باتفاق تهدئة في نوفمبر ٢٠٢٤، ترافقت معه ضغوط متزايدة لإعادة تنظيم الوضع الأمني على الحدود وفي الداخل اللبناني بما يضمن أن يكون السلاح بيد الجيش وحده.
جذور السلاح خارج الدولة
لفهم أبعاد هذه اللحظة لا بد من العودة إلى التاريخ القريب والبعيد، فمنذ توقيع اتفاق القاهرة عام ١٩٦٩ بين منظمة التحرير الفلسطينية والدولة اللبنانية برعاية مصرية، مُنح الفلسطينيون حق إدارة أمن مخيماتهم والقيام بالعمل المسلح ضد إسرائيل انطلاقًا من الأراضي اللبنانية. عمليًا تحوّلت هذه الاتفاقية إلى ترخيص لوجود سلاح خارج سلطة الدولة، لتنشأ مع الوقت مناطق خارجة عن السيطرة الكاملة للسلطات الرسمية. صحيح أن البرلمان اللبناني ألغى الاتفاق عام ١٩٨٧ إلا أن مفاعيله استمرت فعليًا على الأرض، حيث احتفظت الفصائل الفلسطينية بترساناتها داخل المخيمات، فيما عجزت الدولة عن فرض سيادتها الكاملة.
لاحقًا جاء اتفاق الطائف عام ١٩٨٩ لينهي الحرب الأهلية ويقضي بحلّ الميليشيات اللبنانية وتسليم سلاحها، لكنه ترك استثناءً يتعلّق بسلاح المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما سمح لحزب الله بأن يواصل مساره العسكري ويتحوّل لاحقًا إلى أقوى قوة مسلّحة في البلاد.
من غزة إلى عين الحلوة: التحول الجديد
غير أن حرب غزة وما تبعها من مواجهة طويلة بين حزب الله وإسرائيل على الجبهة الجنوبية فرضت وقائع جديدة. فالأتفاق الذي أنهى القتال أواخر ٢٠٢٤ فتح الباب أمام نقاش لبناني داخلي ودولي أوسع: هل يمكن للدولة أن تستعيد قرارها الأمني كاملاً وأن يكون الجيش وحده هو الضامن للسيادة؟
من هنا جاء التوجّه الرسمي لحصر السلاح، وهو ما تُرجم بدايةً في المخيمات الفلسطينية عبر اتفاقات مع فصائل منظمة التحرير وتسليم دفعات من السلاح للجيش، مع إعلان حماس استعدادها للتجاوب، لتتحوّل خطوة عين الحلوة إلى نموذج عملي يعيد الاعتبار للدولة ويلغي مفاعيل اتفاق القاهرة من جذورها.
جاء اتفاق الطائف عام ١٩٨٩ لينهي الحرب الأهلية ويقضي بحلّ الميليشيات اللبنانية وتسليم سلاحها، لكنه ترك استثناءً يتعلّق بسلاح المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما سمح لحزب الله بأن يواصل مساره العسكري ويتحوّل لاحقًا إلى أقوى قوة مسلّحة في البلاد.
بين الفرص والمخاطر
هذا التحول يفتح أمام لبنان فرصًا وتحديات كبرى في آن واحد. على المستوى الإيجابي، فإن احتكار السلاح بيد الدولة يعيد ترسيخ السيادة ويحدّ من الانفلات الأمني داخل المخيمات ويُطمئن المجتمع الدولي إلى جدية لبنان في الالتزام بقرارات مجلس الأمن، ما قد يفتح الباب أمام دعم سياسي واقتصادي يحتاجه البلد بشدة.
كذلك فإن إنهاء دولة الميليشيات يخفف من قدرة القوى المسلحة على فرض أجنداتها الخاصة خارج المؤسسات الشرعية، ويعيد التوازن إلى الحياة السياسية الداخلية.
لكن في المقابل، التحديات ليست أقل وزنًا، فحزب الله أعلن صراحةً رفضه لقرار الحكومة واعتبره إثمًا عظيمًا مؤكّدًا أن سلاحه شرعي بصفته مقاومة. هذا الموقف ينذر بصدام سياسي وربما أمني إذا حاولت الدولة فرض سياستها من دون تفاهم أو ضمانات. أضف إلى ذلك أن تطبيق الخطة بشكل انتقائي قد يخلق شعورًا بالغبن لدى بعض الفصائل ويؤدي إلى توترات جديدة. كما أن التوازنات الطائفية الحساسة في لبنان تجعل من أي محاولة لنزع السلاح مسألة بالغة التعقيد، إذ يُخشى أن يُفسَّر الأمر كاستهداف لفئة معينة.
أما العامل الإقليمي فيبقى حاضرًا بقوة، فإسرائيل قد ترى في أي تعثر ذريعة لمزيد من الضغوط أو الاعتداءات، فيما إيران قد تزيد دعمها لحزب الله، ما يحوّل الملف اللبناني إلى ورقة مساومة إضافية في الصراع الإقليمي.
إنهاء دولة الميليشيات يخفف من قدرة القوى المسلحة على فرض أجنداتها الخاصة خارج المؤسسات الشرعية، ويعيد التوازن إلى الحياة السياسية الداخلية.
بين هذه الفرص والمخاطر، يقف لبنان على مفترق طرق تاريخي. للمرة الأولى منذ عقود تتحول قضية السلاح خارج الدولة من شعار سياسي إلى سياسة عملية تبدأ بخطوات ميدانية ملموسة.
نجاح هذه المسيرة يتطلب تدرجًا وحكمة في التنفيذ، وعدالة في التطبيق على جميع الأطراف، وضمانات أمنية وسياسية للفصائل التي تتخلى عن سلاحها، فضلًا عن تنسيق دبلوماسي نشط مع القوى الإقليمية والدولية لتخفيف الضغوط. والفشل في ذلك قد يحوّل المبادرة إلى شرارة توتر جديد بدل أن تكون مدخلًا إلى بناء دولة متماسكة.
إنها لحظة اختبار كبرى: إما أن ينجح لبنان في طي صفحة نصف قرن من ازدواجية السلاح وإرساء أسس سيادة كاملة، أو يعيد إنتاج مأزق الدولة الضعيفة في مواجهة الدويلات. والخيار في النهاية سيحدد وجهة الجمهورية لعقود مقبلة.
اقرا ايضا: بعد ان خلص زيت ذكائنا الطبيعي.. لبنان يستسقي «الذكاء الاصطناعي»!

