براك يرمي الكرة في الملعب الإسرائيلي ويشرّع الباب أمام دور سوري–إيراني

على عكس الانطباعات التي رافقت زيارات سابقة، حملت زيارة الموفد الأميركي توم براك إلى بيروت هذه المرة طابعاً أكثر جدية ووضوحاً. فقد شدّد على أنّ لبنان أنجز ما عليه في ما يخص التزام اتفاق وقف إطلاق النار، وأنّ الأنظار باتت موجّهة نحو إسرائيل لمطالبتها بخطوات ملموسة تنقل الاتفاق من الورق إلى التنفيذ. في المقابل، لم يُخفِ براك أنّ الحل لا يمكن أن يكون لبنانياً صرفاً، بل يتطلب تعاوناً إقليمياً، ملمّحاً إلى دور سوريا في المرحلة المقبلة من خلال عبارته: “الحل يشمل جيران لبنان”.

إيران في صلب المعادلة

اللافت في حديث براك كان إدراجه إيران في خانة “الجيران” الذين ينبغي إشراكهم في أي حل شامل. فخلافاً للسياقات التقليدية التي تصوّر طهران كطرف خارجي، أشار براك إلى أنّ الجميع يجب أن يكون له دور، وهو ما فُسِّر بأنّ واشنطن تبحث عن مقاربة أوسع توازن بين الواقع الميداني والنفوذ السياسي الإيراني. لكن رغم إيجابية الموفد الأميركي تجاه الطروحات اللبنانية، تجنّب تقديم أي التزام حول طبيعة أو توقيت الخطوات الإسرائيلية المرتقبة، مكتفياً بالإشارة إلى أنّ “الانتظار الآن على الجانب الآخر”.

إسرائيل تردّ ميدانياً

في الوقت الذي كان فيه براك يتحدّث عن التهدئة، واصل الجيش الإسرائيلي تصعيده الميداني في الجنوب اللبناني. فقد أعلن المتحدث العسكري أفيخاي أدرعي عن سلسلة غارات نفّذتها طائرات سلاح الجو على ما وصفه بـ”بنى تحتية ومنصات صاروخية لحزب الله”، معتبراً أنّ وجودها “انتهاك للتفاهمات”. وتوزّعت الغارات على محيط منطقة المحمودية وأطراف بلدة العيشية ومجرى نهر الخردلي ووادي برغز، فيما حلّقت الطائرات على علو منخفض فوق القرى الجنوبية.

إلى ذلك، ألقت طائرة مسيّرة إسرائيلية قنابل صوتية في بلدة كفركلا، استهدفت أحد المواطنين خلال ترميم منزله، قبل أن تعاود إلقاء قنبلتين إضافيتين في المكان نفسه، في رسالة ضغط واستفزاز واضحة.

ماكرون يشيد بجهود عون واليونيفيل ممدَّدة

على خط موازٍ، تلقّى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون اتصالاً من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي هنّأه على نجاح التوافق حول التمديد للقوات الدولية (اليونيفيل) حتى نهاية عام 2027. وأكّد ماكرون أنّ الخطة التي يعمل الجيش اللبناني على وضعها لتنفيذ قرار حصرية السلاح تحظى بدعم دولي وأوروبي واسع، مشدداً على ضرورة دقّتها في التوقيت والتنفيذ. كما ناقش الرئيسان التحضيرات لعقد مؤتمرين دوليين مخصّصين لدعم الجيش وإعادة إعمار لبنان، ما يفتح الباب أمام مسار دبلوماسي – اقتصادي موازٍ للمسار الأمني.

خطوة فلسطينية لافتة: سلاح المخيمات وديعة لدى الجيش

في تطوّر آخر يحمل رمزية عالية، أعلن الناطق باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل أبو ردينة عن تسليم الدفعة الثانية من سلاح منظمة التحرير الفلسطينية في المخيمات إلى الجيش اللبناني كـ”عهدة وديعة”. وشمل التسليم مخيمات الرشيدية والبص والبرج الشمالي، على أن تُستكمل العملية تباعاً في باقي المخيمات. وأوضح أبو ردينة أنّ هذه الخطوة جاءت تنفيذاً للبيان المشترك الصادر في 21 أيار الماضي بين الرئيس محمود عباس والرئيس جوزاف عون، في إشارة إلى مسعى فلسطيني – لبناني لتبديد الهواجس الأمنية وتعزيز سلطة الدولة.

تكشف زيارة براك وما رافقها من مواقف واتصالات أنّ لبنان دخل مرحلة جديدة من التوازنات الدقيقة: واشنطن ترفع السقف بوجه إسرائيل، لكنها تُدخل سوريا وإيران إلى الحسابات، فيما أوروبا تعزّز دعمها لخطة الجيش وحصرية السلاح. في المقابل، تواصل إسرائيل فرض وقائع نارية على الأرض، في وقت تبادر فيه القيادة الفلسطينية إلى خطوات تبني الثقة مع الدولة اللبنانية. وبين هذه المسارات، يبدو أنّ لبنان يقف عند مفترق طرق يختبر صدقية الوعود الدولية وقدرته على استثمار اللحظة لصالح تثبيت استقراره.

إقرأ أيضا: السويداء تتصدر لقاء جنبلاط – برّاك.. وهذا ما حصل!

السابق
الأمن العام يحذّر من التفاعل مع صفحة «الموساد» على فايسبوك وإنستغرام
التالي
لقاء حواري مع العميد محمود الجمل حول بلدية بيروت.. بين الواقع والطموح